الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 الخامسة فجرا .. مستيقظ لسماع نشرة أخبار الإذاعة البريطانية، في سياقها أصغيت إلى حوار بين المذيعة عبر الهاتف وعراقي اسمه الزبيدي ـ اسمه الأخير ـ أتابع أخباره منذ عودته من الخارج مع القوات الأميركية وبدء الاحتلال، يقال إنه كان من المعارضة، في البداية نصب نفسه رئيسا عاما، ثم محافظا لبغداد، وعندما وصل الحاكم الفعلي الجنرال متقاعد غاي غارنر بقوامه الشاميري ـ نسبة إلى اسحق شامير ـ وبعد تصريحه الحاسم، الآمر أنه لم يعين أحداً، اكتفى الزبيدي بمنصب وصفه أنه رئيس لجنة الخدمات، رأيته في لقطة تلفزيونية يدخل عبر بوابة يحرسها المارينز، يبدو أنه كان ماضيا إلى اجتماع ما، أوقفه الجنود ورفع يديه، وراحوا يتحسسون جسده بينما كان يقف مبتسما، محافظ بغداد يفتشه اثنان من عسكر المارينز!، ثم دفعه أحدهما ومضى متمسكا بابتسامته، غير أن هذا المشهد الدال على طبيعة السلطة القادمة على الدبابات الأميركية لم يلفت نظري، بقدر ما لفت نظري الحوار الذي جرى بينه وبين المذيعة ذلك الفجر، كانت أسئلتها صريحة جدا، قاسية جدا، تدور كلها حول مشروعية وجوده في ذلك المنصب المغتصب، فالمناصب تغتصب كما اغتصبت المتاحف والمنازل والمباني بعد فراغ السلطة. راح يذكر مبرراته، أنه منتخب من شريحة مواطنين، وأنه خريج معهد في واشنطن، وأنه .. هنا انتبهت، إذ ذكر اسم جورج بوش، ولكنه نطقه هكذا : السيد الرئيس جورج بوش.. نفس الإيقاع الذي كان يذكر به السيد الرئيس صدام حسين، نسى فقط أن يضيف .. حفظه الله .. لم يكن صدام حسين فقط هو الذي يضاف الدعاء إلى اسمه، إنما هناك رؤساء عرب آخرون لا تنطق أسماؤهم مجردة، الأخ الزبيدي يتصور أن جورج بوش سوف يسمعه، أو أحدهم سيقول له، حتى لو كان قصيا، بعيدا، عبر المحيط، لا يسمع ولا يفهم اللغة العربية، فلابد أن يذكر الأخ الزبيدي اسمه هكذا : السيد الرئيس جورج بوش. هنا بدأ خيالي يشطح، تصورت أحدهم يخبر جورج بوش، وعندئذ ربما يتعجب من ذلك أنه في الولايات المتحدة يوصف بالرئيس فقط أو يذكر باسم عائلته مضافا إليه اسم الابن تمييزا له عن الاب، ربما تطق في دماغه زيارة العراق، وعند وصوله إلى مطار بغداد الدولي يرى حشدا من الجماهير، وما أسهل حشد الجماهير في وطننا العربي، الحشد هدف في حد ذاته، وليس الغرض، وإذا ما تم الحشد يكون التوجيه، يفاجأ بالحركات الراقصة والأيدي الملوحة، والاهازيج البازغة، والزغاريد الطالعة، واللافتات المبينة، وهذا الهتاف الجماعي المنغم، وعندما يسأل، يقولون له. «أنهم يقولون لك. بالروح. بالدم. نفديك يا جورج».. سيكون وقع الكلمات في البداية عجيبا . غريبا، لكن ثمة شيء سيجعله راضيا، فلم يسمع مثل ذلك في جولاته الانتخابية، ولا في شعارات حزبه الجمهوري، بل انه لم يصغ إليه بعد أن حقق النصر على القوة الرهيبة المخيفة للعراق الخطير، ربما يسأل نفسه هل من المعقول أن يكذب هؤلاء ؟ يمكن لفرد أن يكذب، لكن هذا الجمع كله، في نفس اللحظة، في نفس الوتيرة. أثناء الطريق من المطار إلى القصر الرئاسي الذي أعيد ترميمه وإصلاحه ليكون مقرا له، يتسابق البعض لمصافحته، ويلوح آخرون بأعلام الولايات المتحدة، كم من الاعلام واللافتات لم ير مثله في أي ولاية أميركية، ولا حتى تكساس، عندما يصل إلى القصر الرئاسي بينما طائرات الأباتشي تحلق على انخفاض، البي 52 على ارتفاع، يكون وجهاء القوم في استقباله، الجلبي والزبيدي ومن شابههما، في حفل الاستقبال الرسمي، يعلن الجلبي أو من يحل محله، اختيار السيد الرئيس جورج بوش حفظه الله رئيسا فخريا للعراق طالما أن الحاكم الفعلي أميركي برتبة جنرال متقاعد، فمن المعقول، بل من اللائق ـ كما سيهمس إليه أحد خبراء البيت الأبيض المتخصصين في تاريخ المنطقة، خاصة بلاد الرافدين ـ أن يكون رئيسا فخريا، البلد به أقدم حضارات الإنسانية، صحيح أن ما وصل من آثارها تم تدميره في المتحف أو نهبه من مواقعه، لكن ما تزال الكتب والمراجع تذكر تلك الحقائق. هنا يقبل السيد الرئيس بوش الرئاسة الفخرية للعراق. ويسأل قبل أن يقبل : كم مدة الرئاسة هنا ؟، فيقولون له : سبع سنوات، عندئذ تبدو عليه الحيرة فهو رئيس هناك لمدة أربع سنوات فقط، فكيف والمدة الواحدة هنا سبع؟ عندئذ يهون الزبيدي والجلبي واصحابهما الأمر عليه. أنه رئيس فخري، ثم انه سيعاد انتخابه بعد النصر المبين الذي تحقق على يديه، وبذلك تتقارب المدتان، عندئذ تقطع القنوات الفضائية بكافة اللغات إرسالها : «خبر عاجل ـ السيد الرئيس بوش يقبل رئاسة العراق الفخرية لمدة واحدة فقط مدة واحدة لا غير». في اليوم التالي يحضر مراسم احتفال آخر، سيقول السادة المتأمركون سابقا ولاحقا ان لكل بلد تقاليدها. ولابد من إرضاء الجماهير التي رآها بأم عينيه. إن رد الرغبات في بلاد عريقة كالعراق وعدم تنفيذها يعد إهانة، وعندما يستفسر السيد الرئيس بوش عن المطلوب سيقولون له، إن ممثلي الجماهير الحاشدة قرروا ما يأتي: ـ أن يمنح رتبة المهيب الركن، أرفع رتبة في البلاد. ـ أن يقرن اسمه بالملهم ـ أن يكون رئيسا فخريا مدى الحياة للعراق .. سينتفض غاضبا : لا .. لا يمكن، مدى الحياة ؟كيف لن يصبح دكتاتورا مثل صدام حسين، ثم ماذا سيقول عنه الديمقراطيون، عندئذ يبدي المتأمركون شوقا ورجاء أن يقبل الرتبة واللقب، لكنه يبدي الممانعة مستندا إلى الموانع الدستورية، كيف يصبح ضابطا برتبة في جيش أجنبي . عندئذ سيقبل المبررون، وبعض الكتبة التابعين للجلبي والزبيدي، هذا سهل، ميسور، فالعراق له حاكم عسكري برتبة جنرال، جنرال أميركي صريح، واضح، لا لبس فيه، صحيح أنه متقاعد، لكن من جيش بلاده، أما هنا فهو الآمر، الناهي، وقد افتتح عهده بوليمة تناقلت أخبارها وكالات الانباء، جرى فيها شي اللحوم بلا حد، مهيب ركن يعني فليد مارشال، عندما تترجم الرتبة إلى الإنجليزية ستنطق هكذا «فيلد مارشال». أما الملهم فهذا وصف اعتاد القوم أن يطلقوه على زعمائهم في العراق وغيرها من البلدان الناطقة بالعربية تقول مبتسمة: «لا بأس .. يقولون هنا إذا كنت جارهم فجارهم»... لم يفهم السيد الرئيس، المهيب الركن، حفظه الله، لكن كوندوليزا أومأت مشجعة فقبل، في المساء قبل أن يغفو اتصل بوالدته في المزرعة التكساسية، حكى لها عما جرى، وهنأته مباركة، أغفا راضيا في القصر الرئاسي، في الفراش الرئاسي، وخيل إليه أنه يشم رائحة صدام حسين، لكنه هز رأسه غير عابئ، مقررا استدعاء زوجته لتشاركه هذا النعيم، والإحساس بالنصر، ذروة الإحساس بالفوز على العدو، أن ترقد في فراشه آمنا، مستمتعا! استيقظ السيد الرئيس، المهيب الركن، جورج بوش في الصباح الباكر، فوجئ بالإفطار، عسل نحل جبلي من السليمانية، جبن حلوم من الموصل، لبن طازج من أربيل، بيض النعام المقلي من الحلة، فطائر بابلية، تكة بغدادية، شرائح سجوق منشطة، بطارخ من أسماك شط العرب. ما هذا، ما هذا كله ؟ لكن ما اثار دهشته، صورته التي تتصدر جميع الصحف التي صدرت صباح اليوم، صورة ضخمة في الركن الأيمن، صورة رئاسية، شبه رسمية، لا ترتبط بمناسبة معينة أما العنوان الرئيسي فكان «اتصال هاتفي تاريخي بين السيد الرئيس والسيدة الرئيسة».. وعندما ابدى دهشته، فهو لم يجر أي إتصال يوصف بأنه تاريخي، قيل له همسا انهم سيغضبون جدا، وربما أدى الأمر إلى اضطرابات عرقية، فكل ما يصدر عن السادة الرؤساء في هذه المنطقة يوصف بأنه (تاريخي). إذا عثر أثناء نزوله الدرج، فتلك عثرة تاريخية، وإذا تجشأ فهذا تجشؤ تاريخي، وإذا أجرى محادثات مع رئيس آخر، محادثات مهمة، أو مجرد حديث ودي عن الطقس، فهذه محادثات تاريخية، حتى إذا اختلف مع أحدهم فلن تذكر الصحف شيئا من ذلك، بل سيقرأ أن وجهات النظر كانت متطابقة تماما. صمت السيد الرئيس، المهيب الركن، الملهم، جورج بوش، حفظه الله، وقال لنفسه إن الحكم في هذه البلاد أسهل بكثير من حكم الولايات المتحدة، وأما المؤسسات هناك، سواء كانت تشريعية أو تنفيذية أو أصلية، متيقظة لكل كبيرة وصغيرة، إلى درجة أن سلفه اللامع، الجذاب، لم يستطع أن ينفث عن رغباته مع متدربة مجرد متدربة في البيت الأبيض. هنا يمكنه أن يفعل ما يروق له باعتبارها حقوقا مشروعة، وكل ما يصدر عنه تاريخي، ويمكنه أن يرتدي ما يعجبه من الأزياء. إذا شاء طلع على الناس في بزة عسكرية مثقلة بنياشين لا يعرف عنها شيئا، ممسكا بسيف لم يرفعه للقتال قط، أو مرتديا عباءة من وبر الجبل، أو قبعة تكساسية. كل المؤسسات موجودة، وغير موجودة، الصحافة، البرلمان، الأجهزة الرقابية، أي روعة ؟ كيف لم يعمل صدام حسين على ارضاء هؤلاء القوم الطيبين، المهللين، المصفقين دائما. صباح اليوم التالي، أبدى رغبته في رؤية بغداد، بمجرد اجتياز بوابة القصر الرئاسي فوجئ بتمثال هائل الحجم ينتصب في الميدان المواجه، كاد يحتج لكنه صمت خشية أن يكون ذلك تصرفاً فجاً منه، وعندما وصل إلى مكان الاحتفال، فوجئ بطوفان من اللافتات، لم يذكر اسمه إلا مقرونا بالسيد الرئيس، المهيب، الركن، الملهم، جورج بوش، حفظه الله. بعد انتهاء المراسم، ورقص الصغار والكبار، وسماع «بالروح بالدم نفديك يا جورج»، قرر أن ينتبه جيدا إلى الجنرال متقاعد غاي غارنر، فقد لمح في عينيه نظرات حاقدة، عند إزاحة الستار عن تمثال من البرونز المخلوط بالذهب في ساحة التحرير، بعد إزالة نصب طال مكثه هنا، وكان التمثال الجديد على هيئة راعي البقر (كاوبوي). من الآن فصاعدا سوف ينتبه إلى هذا الغاي، فليحذره!