الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 بوش فرض تنصيب ابو مازن على الفلسطينيين. ورامسفيلد فرض، نيابة عن بوش، الجنرال غارنر حاكماً على العراق. والنائب الاميركي توم لانتوس حط هذا الاسبوع في دمشق معلناً في مؤتمر صحفي ان سوريا موعودة بحزمة عقوبات اذا لم تستجب للمطالب الاميركية. فهل نحن حقاً أمة حرة؟ وماذا تبقى لنا من شرف؟ وفي كل الاحوال ما هو مصيرنا لمرحلة «ما بعد العراق»؟ لنعترف أولاً ان بلدان الامة العربية باتت واقعة تحت سيطرة استعمارية اميركية صريحة لكن المؤشرات والتحركات الاميركية على صعيد منطقة الشرق الاوسط التي سبقت شن العدوان على العراق ورافقته ووضحت اكثر بعده تشي بأن الاستعمار الاميركي للامة العربية ليس سوى مرحلة انتقالية الى استعمار اسرائيلي. فنحن الآن نعيش الارهاصات التطبيقية لنظرية «الشرق اوسطية» التي ابتدعها شمعون بيريز ووضع لها كتاباً كاملاً وشعار «اسرائيل من النيل الى الفرات». فور الانتصار العسكري الاميركي في العراق تتابع المسئولون الاميركيون والمسئولون الاسرائيليون في الحديث عن «مرحلة جديدة» أو «قوانين جديدة للعبة» أو «حقائق الوضع الجديد» بإيماءات واضحة تشير كلها الى مغزى واحد: حتمية الاعتراف العربي الكامل والشامل بالدولة اليهودية ووفق الشروط الاسرائيلية. ومن يتلكأ فلينظر الى ما جرى للعراق والعراقيين. وهذا بايجاز معنى مقولة بوش عقب احداث سبتمبر 2001 «من ليس معنا فهو ضدنا» اذا طبقت في سياق الصراع العربي الاسرائيلي. وانظر في عناصر المشهد المتحرك بعد قصم ظهر العراق: كلها تشير في هذا الاتجاه. الترتيبات الاستراتيجية لاعادة بناء العراق سياسياً يجري تطبيقها في اتجاه تنصيب حكومة من عناصر عراقية عميلة تحت ظل احتلال اميركي يكون على رأس اولوياتها السياسية الاعتراف باسرائيل. وفي سياق هذه الترتيبات سوف يعاد انشاء خط الانابيب النفطي العتيق الذي يربط كركوك بميناء حيفا الاسرائيلي كتمهيد لربط الاقتصاد العراقي «الذي سوف يكون قوامه رؤوس اموال اميركية» بالاقتصاد الاسرائيلي. في هذه الاثناء يبدأ عهد ابو مازن في فلسطين لتطبيق الاجندة الاسرائيلية الاميركية المتضمنة في مشروع «خريطة الطريق» لتنتهي الى اتفاقية سلام تقوم بموجبها «دولة» فلسطينية يرتهن كل شيء فيها ـ من الاقتصاد الى الأمن والشئون الخارجية ـ للسيادة الاسرائيلية. وفقاً لهذه الاجندة سوف تكون أولى أولويات حكومة ابو مازن تقليم اظافر فصائل المقاومة عن طريق نزع ما لديها من سلاح وتغذية الاجهزة الامنية الاسرائيلية بكل ما تحتاجه من معلومات سرية للقيام بضربات استباقية ومواصلة نهج الاغتيالات. ولاستكمال مشروع الحرب العلنية على «الارهاب» الموجه ضد اسرائيل يجري في الوقت نفسه استهداف سوريا. ومما يستخلص من حديث النائب الاميركي توم لانتوس في هذا الصدد خلال الاسبوع الجاري والاسلوب الذي انتهجه هو ان عصر المناورة الدبلوماسية الاميركية في مسألة حماية اسرائيل قد انتهى الى غير رجعة لمرحلة ما بعد العراق. كان حديث لانتوس تهديداً علنياً صريحاً بالثبور وعظائم الامور علما بأنه كان يتحدث داخل العاصمة السورية دمشق في مؤتمر صحفي، وليس داخل صالون مغلق دون لف أو دوران، سرد لانتوس ما هو مطلوب من الحكومة السورية: وقف الدعم لحزب الله اللبناني واغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية. وفي حالة الرفض أو التردد فإن هناك مشروع قانون جاهزاً لدى الكونغرس: قانون محاسبة سوريا. ومن قبيل الشرح اعلن هذا النائب الاميركي انه في حالة عدم الاستجابة للمطالب «فإننا سنستخلص النتائج وسأعمل شخصياً لاصدار قانون العقوبات ضد سوريا». واذا كانت هذه اللغة غير مألوفة فلأنها لغة جديدة: لغة مرحلة ما بعد العراق. ولنتصور ملامح المرحلة في المستقبل المرئي: خروج العراق نهائياً من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي ليوقع معاهدة سلام مع اسرائيل.. نهاية المسيرة النضالية الفلسطينية بتوقيع اتفاقية فلسطينية اسرائيلية على يد ابو مازن وشارون تؤدي عمليا الى تكريس الاحتلال الاسرائيلي. استسلام سوريا عن طريق سلسلة اجراءات تنتهي الى معاهدة سلام مع اسرائيل تتضمن تنازلاً سورياً عن مرتفعات الجولان. هذه هي الملامح الأولية.. واظن ان بوسعنا تصور ما يحصل بعد ذلك: تتابع ما تبقى من الدول العربية للانخراط في «مسيرة السلام».. ليبدأ عصر الاستعمار الاسرائيلي الشامل!