الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 اثار الاحتلال الاميركي البريطاني للعراق عدة تساؤلات وفضول الكثير من وسائل الاعلام والمختصين والملاحظين ومنظمات عديدة بشأن الحريات الفردية وحقوق الانسان. تساؤلات عدة طرحت بشأن حقوق الانسان ومصير هذه الحقوق في ظل الاطاحة بالرئيس صدام حسين والبحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق والحرب على الارهاب وتداعيات احداث 11 سبتمر، وما هي حالة هذه الحقوق في ظل غياب الشرعية الدولية؟ الحقوق مع الأسف الشديد وبعد مرور اكثر من نصف قرن منذ الاعلان عن ميثاقها ضاعت سواء في الشمال او في الجنوب، في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة او تلك التي مازالت تعاني الفقر والجهل والتهميش. التطورات بعد 11 سبتمبر 2001 واعلان الحرب على العراق بخصوص اسلحة الدمار الشامل شكلت منعطفاً خطيراً اثر سلباً على حقوق الانسان في العالم وحتى تلك الدول القليلة التي كان ينعم الفرد فيها بهامش كبير من حيرة الفكر والرأي والتحزب وحرية التعبير والصحافة وما الى ذلك، ضربت عرض الحائط بكل هذه القيم والمباديء باسم الحرب على الارهاب وراحت تتجسس حتى على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني وغير ذلك من خصوصيات الافراد. الكيل بمكيالين يحتفل العالم في العاشر من ديسمبر من كل سنة بذكرى ميثاق حقوق الانسان الذي وضع في سنة 1948م والعبرة ليست في الذكرى بقدر ما هي في التطور التاريخي لهذا الميثاق ولممارسة حقوق الانسان في ارض الواقع، والملاحظ انه منذ البداية الاولى اي سنة 1948 كانت الانطلاقة خاطئة وكانت هناك ازدواجية في المقاييس والمعايير، حيث ان في ذلك التاريخ كانت دول وامم وشعوب ترزح تحت نير الاستعمار ولم يتطرق لها الميثاق لا من قريب ولا من بعيد ولم يولها اي اعتبار. ما هو الوضع في ايامنا هذه ايام التعنت الاميركي والحرب على «الدول المارقة» واسلحة الدمار وكذلك الحرب على «الارهاب» والتدخل في تحديد برامج التربية الاسلامية لدول تنعم بسيادتها واستقلالها، واخيراً تخصيص 29 مليون دولار لتعليم العرب الديمقراطية؟ وما هو الوضع ونحن في نظام القطبية الاحادية؟ هل تمت عولمة ميثاق حقوق الانسان؟ ام ان هناك فاعلين في النظام الدولي يستعملون المصطلح والمفهوم وفق معطياتهم ومصالحهم؟ وهل بامكاننا الكلام عن عالمية حقوق الانسان ام عولمة حقوق الانسان؟ ما يمكن قوله ان حقوق الانسان مثلها مثل الاعلام اصبحت سلطة تمارس وتوظف في لغة السياسة والدبلوماسية واصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن سكة صانعي النظام الدولي، وتجدر الاشارة هنا إلى ان ميثاق حقوق الانسان اتسم منذ ظهوره بثغرات ومصطلحات هلامية مطاطة تتناقض مع قيم الكثير من المجتمعات ومعتقداتها الدينية وتقاليدها وعاداتها.. الخ، واذا رجعنا الى فلسفة حقوق الانسان ورجعنا الى الثورة الفرنسية تحديداً نجد ان المحور الاساسي يتعلق بترسيخ الشعور في نفسية المواطن بالتحرر من الاستبداد والعبودية والتبعية وطغيان طبقة او فئة معينة في المجتمع على باقي الطبقات والشرائح الاجتماعية، وهذه الامور مع الاسف الشديد قائمة وموجودة داخل الدول وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل بإمكاننا ان نضمن حقوق الانسان لمواطني دولة مستعمرة (بفتح الميم)؟ وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان لدولة مستعمرة (بكسر الميم)؟ وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان في دولة تابعة ومسيطر عليها خارجيا من قبل دولة أو دول أو نظام دولي؟ ما يجري في العراق هذه الايام يتنافى جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بالأسرى أو بالاطفال او بسائر المواطنين العزل. فالشعب العراقي اليوم، ورغم تخلصه من رئيس مستبد سلبه كل حقوقه، يعاني تحت الاحتلال الأميركي من مشاكل عديدة تبدأ بنقص المياه وتنتهي بانعدام الأمن والاستقرار. الشعب العراقي من حقه أن يقرر مصيره ويختار النظام السياسي الذي يليق به بعيدا عن وصاية «جاي جارنر» وغيره من ممثلي تجار الاسلحة والحروب. فالعراقيون بتشكيلتهم الاجتماعية والدينية والعرقية المتنوعة والمختلفة من شيعة وسنة وأكراد وتركمان وعرب، من حقهم تقرير مصيرهم بأنفسهم وبدون وصاية. لكن يبدو أن الواقع يقول غير ذلك تماما، حيث بدأت المناورات والمساومات والحسابات التي تقضي في المهد على أدنى مباديء حقوق الإنسان والحريات الفردية للشعب العراقي. التدخل الخارجي اشكالية حقوق الإنسان معقدة وعويصة واصبحت في عصر محاربة «الدول المارقة» والدول التي تملك اسلحة الدمار الشامل والعولمة والحرب على «الإرهاب» وسيلة ضغط في يد الدول القوية (حق التدخل) للتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحهم وأهدافهم، ومن أهم المتناقضات التي يعيشها العالم بشأن حقوق الإنسان ما يلي: 1ـ نلاحظ ان دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية «المدافع الأول عن حقوق الإنسان»، تضرب عرض الحائط بهذا المبدأ في بلدها وداخل حدودها كتعاملها مع الاقليات مثل السود والهنود الحمر ـ السكان الأصليين لأميركا ـ والأقليات الأخرى ومنهم العرب، ونلاحظ كم من مواطن عربي أتهم وسجن وطرد من أميركا بدون محاكمة وبدون الاجراءات القانونية التي يقرها التشريع الأميركي. وما ينسحب على اميركا ينسحب على معظم الدول الأوروبية والدول المتقدمة. فرنسا مثلا في تعاملها مع المسلمين ومع مواطني شمال افريقيا تبتعد كليا عن شيء اسمه حقوق الإنسان، وقصة الفتاتين المغربيتين والمنديل قصة تبقى وصمة عار على دولة تدعي في شعاراتها «الحرية ـ الأخوة ـ المساواة». 2ـ نلاحظ كذلك أن الدول الفاعلة في النظام العالمي تساند وتدعم انظمة مستبدة ودكتاتورية في العالم الثالث، وهذا يتناقض جذريا مع مبدأ حقوق الإنسان لأن هذه الدول وبحكم نظامها السياسي السلطوي لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تحترم حقوق الإنسان اذا غابت الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والتعبير والفصل بين السلطات، والغريب ان الدول الغربية تساند هذه الدول النامية لفترة زمنية معينة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية، وبعد ذلك تنقلب عليها، مثل ما فعلت الولايات المتحدة مع بنما والولايات المتحدة والتشيلي وغيرها من الأمثلة الكثيرة كتدخل دول غربية في اطاحة نظم انتخبت بطريقة ديمقراطية في العالم الثالث، فمبدأ حقوق الإنسان بالنسبة للدول الغربية ينتهي عندما تبدأ مصالحها. وللتاريخ فقط فصدام حسين كان الصديق المدلل للأميركيين في الثمانينيات واسامة بن لادن كان من الزعماء بالنسبة للمخبارات الاميركية في الحرب ضد النظام الشيوعي السوفييتي فعندما تلتقي المصالح وتتقاطع كل شيء مباح، وأكبر الارهابيين والدكتاتوريين في العالم ومن اجل مصالح تجار الحروب والاسلحة يصبح صديقاً ومصلحاً ومدافعاً عن العدالة والحرية وحقوق الإنسان. 3. نلاحظ ان الولايات المتحدة التي نصبت نفسها رقيباً على حقوق الانسان في العالم تكيل بمكيالين اذا تعلق الامر باسرائيل وبأطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان، والغريب ان اميركا نفسها تصنف سوريا في خانة الدول الارهابية والدول التي لا تحترم حقوق الانسان وتعتبر اسرائيل دولة الحق والقانون والدولة الديمقراطية المدافعة عن حقوق الانسان وعن الحريات الفردية، وكمكافأة سنوية تستفيد اسرائيل من 12 مليار دولار ومن الاسلحة الاميركية المتطورة لقتل الاطفال والعجزة والابرياء وتحطيم البنية التحتية لفلسطين، وبذلك ضرب حقوق الانسان عرض الحائط بتزكية الولايات المتحدة الاميركية. 4. اين حقوق الانسان في فرض الحصار على ليبيا والعدوان على العراق؟ واين حقوق الانسان في ضرب مصنع الادوية بالسودان؟ تناقضات صارخة لان هذه العقوبات تتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الانسان ومع حقوق اطفال وأبرياء هذه الدول، وبأي حق تفرض الولايات المتحدة نفسها شرطيا على العالم؟ وبأي حق تصنف الدول وتضعها في خانة الارهاب واختراق حقوق الانسان؟ 5. اين هي حقوق الانسان عندما يتحكم البنتاغون في وسائل الاعلام ويوجهها حسب ارادته في حرب الخليج الثالثة وحرب الخليج الثانية حيث اصبحت قناة سي إن إن هي الوسيلة الاعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه اخبارا ووقائع؟ اين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الاعلام؟ وسيلة ضغط وهكذا اذن اصبح مبدأ حقوق الانسان وسيلة في يد الدول القوية للضغط وادارة شئون العالم وفق ما تمليه عليها مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، ونلاحظ هنا ان حتى بعض المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشئون حقوق الانسان قد تم اختراقها واستغلالها واستعمالها وانحازت لدول ولمصالح ولأيديولوجيات معينة على حساب خدمة مبدأ انساني عالمي لا يعرف في الاساس حدودا ولا جنسيات. قال سبحانه وتعالى «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير» ان الامر الذي لم يقتنع به الغرب الى حد الآن هو ان قيمه لا تصلح لمختلف المجتمعات والحضارات وأن معتقداته لا تصلح بالضرورة للبشرية جمعاء فإذا استطاع ان يصدر الهامبرغر والميكي ماوس فإن القيم والأخلاق والديانات تبقى دائما من اختصاص واختيار وخصوصية كل مجتمع وكل دولة، والدول العربية وغيرها من دول العالم ليست بحاجة لدرس في حقوق الانسان وفي القضاء والتشريع، كما انها ليست بحاجة الى من يعلمها كيفية وطريقة تدريس مناهج التربية الاسلامية في مدارسها، والملاحظ هنا ان الاولى بهذه الدروس هي الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية نفسها التي تعاني من العديد من التناقضات في معاملة الانسان ومعاملة المرأة ومعاملة الاجناس والديانات والاقليات. هل البشرية بحاجة الى عولمة حقوق الانسان ام انها بحاجة الى عالمية حقوق الانسان؟ واذا تكلمنا عن العالمية فهذا يعني احترام خصوصية الشعوب والأمم والحضارات. كيف يكون مستقبل حقوق الانسان في ظل انعدام الشرعية الدولية وفي ظل سيطرة تجار الحروب والاسلحة على العلاقات والمنظمات الدولية؟ كيف يكون مستقبل حقوق الانسان في ظل شلل شبه تام للأمم المتحدة ومنظمات دولية اخرى عديدة؟ كيف يكون المستقبل في ظل العولمة عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب ولا بالشعوب الضعيفة والمغلوب على امرها، عولمة همّها الوحيد هو سلطة المال والسياسة والقوة، عولمة الشركات المتعددة الجنسيات التي تسيطر على المال والاعمال والصناعات والتجارة الدولية والتي لا حدود لها ولا بلد ولا انتماء ولا أخلاق قانونها الوحيد هو الريح؟ هذه الشركات المتعددة الجنسيات التي تتقاتل هذه الايام في العراق من اجل ابار النفط وغنائم الحرب، هذه الشركات التي تبتز اطفال العالم وفقراء العالم في ضوء النهار من جهة وتطالب من جهة اخرى بحقوق الانسان. أليس من حق اطفال العراق العيش؟ وكيف لنا ان نتكلم عن حقوق الانسان في العالم وهناك شعوب محرومة من حقها حتى في الحياة؟ يبدو ببساطة ان العالم بحاجة لوقفة مع الذات ومع اخلاق الأنا وهذا هو التحدي الكبير الذي سيواجهه مستقبلاً. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة