الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 أدخل احتلال العراق متغيرات نوعية كثيرة في معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي وكشف كثيرا من ثغرات الوضع العربي الرسمي والشعبي، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار لدى وضع الاستراتيجيات وصوغ السياسات، بعيدا عن العواطف أو الأمنيات لأن السياسة هي محصلة صراع قوى وإرادات. ولا شك إن اختفاء بلد بقوة العراق من معادلات العداء لإسرائيل (في المدى المنظور) سيشكل خللا استراتيجيا كبيرا في موازين القوى لصالح الدولة العبرية، ويفتح المجال أمام مناخات جديدة في حقل العلاقات العربية ـ الإسرائيلية على قاعدة من التطبيع أو التعاون أو ربما التحالف مع إسرائيل في صيغ إقليمية معينة؛ لا سيما وأنه ثمة أقطار عربية أبدت سابقا استعدادا للتجاوب مع هذا الأمر. ولا شك، أيضا، أن هذا التحول سيؤثر على كفاح الفلسطينيين، كما سيؤثر بشكل خاص على سوريا التي ستجد نفسها وحيدة وفي وضع حرج، بعد أن حرمت من العمق الاستراتيجي الذي كان يشكله العراق بالنسبة لها، في معادلات الصراع وحسابات موازين القوى إزاء إسرائيل. ولعل المتغير الرئيس هنا يتمثل في واقع أن الولايات المتحدة الأميركية باتت تعمل مباشرة في هذه المنطقة، بل إنها باتت بمثابة اللاعب الرئيسي الذي يتحكم بمجمل التطورات فيها، وهي بهذا المعنى لم تعد بحاجة لوكيل يعمل بدلا عنها ولا لحارس يصون مصالحها (دون أن يعني ذلك أنها ستتخلى عن دعمها لإسرائيل). لا وكلاء! وبديهي أن الولايات المتحدة الأميركية التي باتت في منطقة المشرق العربي وفي بلد بحجم العراق لن تسمح لأحد، وخصوصا لا للفلسطينيين ولا للسوريين ولا لحزب الله، وحتى لا للإسرائيليين، بتعكير صفو هذا الوجود ولا بخلق الأجواء والتوترات التي قد تنعكس عاجلا أم آجلا وبصورة سلبية على الوجود الأميركي فيه أو على سعي أميركا لتحقيق استقرار هيمنتها وترتيباتها في المنطقة. وهذا يعني بأن الإدارة الأميركية ستكون حازمة في إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بشكل أو بآخر وضمن ذلك الشروع في عملية التسوية. والمعنى أن جميع الأطراف في المنطقة، وعلى تفاوت قربها من المصالح والرؤى الأميركية، ستجد نفسها في المرحلة المقبلة وسط عملية إملاء أميركية. فالمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن تكون على شاكلة مفاوضات كامب ديفيد2 وطابا، التي رعاها الرئيس الأميركي بل كلينتون (2000 ـ 20001)، التي ترك فيها للطرفين الحبل على الغارب، فالإدارة الحالية وإن كانت ستستفيد مما تم التوصل إليه في المراحل السابقة إلا أنها ستتدخل مباشرة في تحديد الحدود وفي وضع النقاط على الحروف في معظم المسائل الخلافية. وعلى الصعيد السياسي فإن الفلسطينيين سيواجهون استحقاق خطة «خريطة الطريق»، وهذه المرة لن تسمح الأطراف الراعية للخطة (الاتحاد الأوروبي وروسيا وأميركا والأمم المتحدة) بأي ازدواجية، أي لن يسمح للقيادة الفلسطينية بالاستمرار في السياسة التي تم انتهاجها سابقا: مفاوضة وانتفاضة أو مفاوضة ومقاومة، وربما لن يسمح حتى لإسرائيل بالتملص من بعض الاستحقاقات إرضاء لحفنة من المستوطنين أو المتطرفين، إذ أن نظرة أميركا للاستيطان ولقيام دولة فلسطينية تختلف في منطلقاتها وأبعادها عن الرؤية الإسرائيلية. أما الترتيبات الشرق أوسطية فهي لن تخضع بدورها للأهواء التي سادت سابقا في مؤتمرات «القمة الشرق أوسطية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» أو لجان المفاوضات متعددة الطرف وإنما ستكون على شكل خطط عمل ومقترحات للتنفيذ تتابع من قبل الإدارة الأميركية. وينبغي التنويه إلى أن الولايات المتحدة الأميركية في سعيها الجارف لترتيب أوضاع المنطقة لن تأخذ في اعتبارها أي شيء لا المواثيق الدولية ولا مجلس الأمن الدولي وأنها ستبيح لنفسها التدخل في شئون الدول المعارضة لها والتعامل معها، بحجج وادعاءات مختلفة بدءا من استخدام معزوفة البحث عن أسلحة الدمار الشامل وصولا إلى الحرب ضد الإرهاب أو بدعوى الدفاع حقوق الإنسان. عقيدة مختلفة لذا فمن الأهمية بمكان الانتباه إلى أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة باتت تتحكم بها الاعتبارات الأساسية التالية: أولا، إن احتلال العراق والتحكم فيه تم لمصالح استراتيجية خاصة: سياسية واقتصادية وأمنية، وضمن ذلك مصلحة أميركا في ترسيخ هيمنتها على المنطقة باعتبارها مدخلا لتعزيز هيمنتها كقطب أوحد على العالم. ثانيا، أن الولايات المتحدة اليوم وفي عهد إدارة الرئيس بوش هي غير أميركا كلينتون، التي كانت تحاول فرض املاءاتها وسياساتها ومصالحها: السياسية والاقتصادية والأمنية بوسائل المفاوضات والضغط الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي وعبر المنظمات الدولية (مجلس الأمن الدولي، منظمة التجارة العالمية، مؤتمر التنمية الاقتصادية الشرق أوسطية)، فإدارة الرئيس بوش تتبنى عقيدة مختلفة (استراتيجية الأمن القومي التي تم نشرها في سبتمبر 2002) تقوم على مبدأ التدخل المباشر والفعال لإحداث تغييرات تتلاءم مع المصالح الأميركية وهذا يشمل التدخل بواسطة القوة العسكرية واعتماد الحرب الوقائية كوسيلة للتغيير السياسي والاقتصادي في البلدان الأخرى. ثالثا، ثمة مجموعة ايديولوجية في الإدارة الأميركية (المحافظون الجدد) تتبنى موقفا مفاده أنه ثمة دوراً دولياً (رسولياً) للولايات المتحدة عليها القيام به لنشر الديمقراطية وإصلاح العالم وبنائه على شاكلة النموذج الأميركي أو على الأقل بما يتلاءم والمصالح الأميركية، وأنه ينبغي على الولايات المتحدة تعزيز مركزها في العالم ونشر رسالتها «الحضارية» فيه، ليس بالاعتماد على الوسائل السلمية فقط ولا بالاستناد للمنظمات الدولية فحسب، وإنما أيضا بالاعتماد على قوتها العسكرية. رابعا، يجب إدراك أن ثمة تحولاً في الاستراتيجية الأميركية بعد زلزال 11 سبتمبر (2001) في العقل السياسي الأميركي، وهذا التحول نتاج قناعة مفادها أن مسارات العولمة وحّدت مصائر العالم ومخاطره أيضا، ما يعني أن مشاعر الغضب والإحباط وضعف الاستقرار في دولة ما قد ينعكس على دول أخرى، ضمنها أميركا، بغض النظر عن علاقات حكومة هذه الدولة بالولايات المتحدة الأميركية. والفكرة المركزية التي استنتجها المخططون الاستراتيجيون في الإدارة الأميركية، وضمنهم «المحافظون الجدد»، أن وجود علاقات تاريخية وطيدة مع أهم دولتين عربيتين (مصر والسعودية) لم يمنع مواطنين منهما من تنفيذ عمليات 11 سبتمبر. ويعتقد هؤلاء المخططون بأن مشاعر الغضب والإحباط والتطرف إنما تتغذى من انتشار الفقر وتدني التعليم وسوء الإدارة، وان وضع حد لكل ذلك إنما يتطلب إصلاح أنظمة الحكم، في البلدان العربية، ونشر الديمقراطية وتحقيق إصلاحات اقتصادية وفتح الأسواق وجذب الاستثمارات وتغيير مناهج التعليم والثقافة؛ أي رفع مستوى المعيشة والتعليم والديمقراطية. وعلى اعتبار أن الإدارة الأميركية، تضررت من هذا الواقع (بهجمات سبتمبر) فإنها باتت تعتقد أنه من حقها أن تعمل على تحقيق هذه الإصلاحات في مبنى الأنظمة العربية ولو تطلب ذلك منها التدخل المباشر والقوة العسكرية، ومثال ذلك ما يحدث مع السلطة الفلسطينية وما حدث في العراق. وهذه هي الفكرة المركزية الموجهة لدى الإدارة الأميركية التي باتت تعتقد، أيضا، بأنه ينبغي ألا تعتمد على الحكومات، فقط، لتحقيق الاستقرار في المنطقة وإنما يجب أن تعمل داخل المجتمعات العربية ذاتها (فكرة نشر الديمقراطية التي طرحها كولن باول وزير الخارجية الأميركية في خطابه يوم 12 ديسمبر 2002. واللافت للانتباه هنا هو أن الحديث عن التغيير لم يعد يطال الأنظمة المعادية لإسرائيل فقط، إذ أنه بات يشمل، أيضا، الدول العربية المعتدلة أو المحسوبة على خانة أصدقاء أميركا في المنطقة. ومن هنا تبرز خطورة التوجهات الأميركية الجديدة وأهمية إبداء الحيطة والحذر تجاهها، وبناء السياسات التي يمكن أن تتجنبها أو أن تفوت استهدافاتها، لا سيما في مرحلة تبدو فيها أميركا منفلتة من عقالها وفي هذه الظروف التي تفرض فيها هيمنتها كقطب أوحد في العالم، بدون أن تجد من يكبح جماحها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أفاق النظام العربي من حال الذهول والحيرة تجاه ما جرى في العراق؟ أو هل ثمة استراتيجية عربية جديدة للتعامل مع الواقع الجديد وانتشال الوضع العربي من حال استلاب الإرادة والسلبية تجاه ما يحيط به؟! ـ كاتب فلسطيني