الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 في عام 1912 كان الضابط الفرنسي البارز (ارنست بيكاري) يجوب الصحراء الموريتانية برفقة دليل مسلم من ابناء الصحراء التي تحولت في تلك الفترة الى أرض منهوبة على يد الجيش الفرنسي المحتل. وكان مصراً على تلقين ابناء تلك الارض دروساً شفوية متوالية حول المساحة الشاسعة التي تفصل ما بين المدنية الغربية والعالم الاسلامي كلما سنحت له فرصة الاحتكاك بهم التي تستعمر ارضها بلاده. فالتفت اثناء عبوره للصحراء الموريتانية الى دليله المسلم وقال له: هل تبين لكم اننا نحن الاقوى والاكثر جدارة بالسيطرة على الارض؟ هل ادركتم الآن حجم القوة التي نملك والتي لم تستطيعوا مواجهتها حتى الآن!! وهنا التفت إليه البدوي البسيط، ورد عليه بعفوية عكست الصورة الغريبة للاسلام في نفوس اتباعه قائلا: «انتم لكم الارض، ونحن لنا السماء». وبهذا الرد تهرب هذا الفرد المقيم في الصحراء ـ حسب منطقه الضيق في فهم دينه ـ من الاعتراف بالهزيمة امام المستعمر، ورأى ان ترك الارض للغرب المتمدن وطرق باب السماء والسياحة الروحية في الملكوت الاعلى هو مطلب الاسلام من اتباعه وهو التفسير الصحيح لموقف الاسلام في الحياة وهو موقف ـ كما تقرأه من اجابة هذا الفرد ـ لا يتجاوز حدود المطالبة بأداء الصلوات الخمس ورفع الاكف الى الخالق بدخول الجنة والاستعاذة من النار. وبهذه النظرية العارية عن الصحة يصبح الاسلام دينا كهنوتيا لا شأن له بالفوضى العارمة في الارض، وكل مطلبه من اتباعه بعض من الركيعات يؤدونها في اليوم والليلة تخلصهم من الشعور بالظلم والقهر، وتدخلهم في ملكوت الله حيث الرضوان والنعيم المقيم!! ومن العبث الفكري، والتبسيط المسرف ان تكون هذه النظرة الضيقة في فهم الدين قائمة حتى اللحظة دون ان يطرأ عليها التغيير والتعديل رغم الكتابات الجادة والموضوعية التي تبنّت مطلب اعادة الوعي الى العقل المسلم، وأخذت على عاتقها إعادة تشكيله من جديد. الأمر الذي يبعث على الغضب والاستياء، ويؤكد ان ترميم ذلك العقل، بل واعادة هندسته من جديد هي واحدة من اخطر القضايا الفكرية التي نعاني منها اليوم، والتي ادى الاهمال في معالجتها الى تفشي روح الكسل، والنفور من العمل الجاد، وضعف الدافعية نحو انجاز المهمات الصعبة، والتضحية بالمواقف التي تؤكد قدرة افراد هذه الأمة على انجاز أدوارهم الحضارية التي طالها الاهمال والتعطيل!! ولو كان هناك احساس صادق بأهمية التقاط المبادرة من جديد لكنا قد وقفنا على سلوكيات ناضجة تتسم بالاعتدال، وتنظم حركة المجتمع في اتجاه استباق الزمن، وصناعة النجاح وفق مطالبه العليا وشروطه الثابتة. لقد جاءت خسائرنا من الفهم المبتسر للاسلام هائلة، وجرّ الجهل علينا ويلات وشروراً نكتوي اليوم بنيرانها، ونلمسها في ذلك التهافت على الهروب من الابواب الخلفية، وغلبة الـ «انا» السفلي، وانحطاط الهمم، وعدم احترام الزمن، وكل تلك الممارسات كانت ومازالت اشواكاً على الطريق، تقطع الرحلة، وتمنع الوصول الى بر الامان!! m-alnaymi@maktoob.com