الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 كثيرون من ابناء الزمن الماضي ـ من أهلنا وممن حولنا ـ يتذكرون مقولة شهيرة كان يرددها العائدون من اسفار المجهول، وترحال البحث عن لقمة العيش على سفن الغوص والتجارة، وخاصة اولئك الرجال الذين مروا بالعراق، ونزلوا على ضفاف شط العرب، وتجولوا في البصرة، فبعد ان يروي اولئك الرجال حكاياتهم الخرافية عن تلك البلاد، يلتفتون إلى جلسائهم مرددين بحرقة وشوق: «اللي ما شاف البصرة، يموت حسرة»! بعد سنوات من الرغد والمسرات، وبعد النفط والحروب، وبعد ان استولى على الاوطان رجال من اشباه صدام وعصابته، تلوث شط العرب بالنفايات وبالجثث، وبالامراض والاهمال، وبعد ان روَّى شط العرب ـ حيث يلتقي رافدا دجلة والفرات ـ العراق وجيرانه، صار أهل العراق يستجدون الماء، وصار الماء نادراً في بلاد الماء والنخيل ودجلة الخير وام البساتين، صار الماء حكراً كالذهب لأهل السلطة فقط لمزارعهم وبيوتهم وبساتينهم .. ومات أهل في البصرة من الظمأ، كما ماتوا من طغيان صدام واليورانيوم المنضب، وقصف الطائرات الاميركية. وكما روى (دجلة الخير) العراق والبصرة قبل الطغيان والطوفان، فها هو زايد الخير يمد يد الأخوة والعروبة والقلب الكبير الى اهل البصرة، وها هي أول مضخة لتنقية المياه بسعة 250 ألف جالون تجد طريقها للبصرة اخيرا، والخبر ليس هنا وانما الخبر في أن هذه المضخة قد تم تجهيزها وتركيبها في زمن قياسي لم يتجاوز 36 ساعة! ليس ذلك من قبيل التباهي او تسجيل الارقام القياسية لكنه من باب الاحساس باحتياج هؤلاء الأهل للماء وهو من باب الضرورة والواجب، ويحق للهلال الأحمر الاماراتي ان نقول له شكراً ألف مرة وأكثر، فمنذ 12 عاما وهؤلاء الناس يئنون تحت وطأة الظمأ والحصار وافتقاد مقومات الحياة الكريمة، بينما هم ينتمون لبلد نفطي يعد الاغنى في العالم، وبه من ثروات المياه والزرع وطاقات العلم والعلماء ما لا نتخيله، ومع ذلك فقد رأيناهم على شاشات التلفزة يسكنون بيوت الطين، ويركبون عربات الحمير، ويسير اطفالهم حفاة عراة جوعى، بينما الاموال مبعثرة في الانفاق والقصور وعلى اهل النفاق والصراخ والاستنفاع من بعض أهل الفن والصحافة والاعلام!! كيف يمكن ان يسامح شعب نظاما حكمه 35 عاماً، فلم يوفر له ماء نظيفا يشربه، وحياة كريمة تحفظه، واماناً يجذبه الى وطنه، وحقوقا تجعله مواطناً لا سارقاً ولا مطارداً ولا منفياً او معتقلاً او خائفاً من ظل صنم في الشارع او خيال رجل يحمل شارة البعث او المخابرات؟ كيف ان هناك من لا يزال يبحث لهذا النظام عن اعذار وعن حجج، واصفاً اياه بالقومي والعروبي لانه رفض توقيع اتفاق مع اسرائيل ولأنه عاند الاميركان ولانه .. ؟ كيف يمكن تبرير مجازره وظلمه وطغيانه؟ اين ذهبت ملايين العراق؟ ومليارات النفط؟ لماذا تجمع الآن في اكياس وصناديق على يد الاميركان وتنقل الى اماكن (آمنة) لا يعلم بها احد سوى الاميركان فقط؟ لماذا لم تستغل لصالح أهل العراق؟ لتطوير العراق؟ لبناء العراق؟ عندما تجهز مضخة مياه في البصرة وبأوامر كريمة من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في ظرف 36 ساعة فقط، ويعجز نظام كامل او يرفض نظام كامل ان يجهزها خلال 12 عاما تاركا الناس تموت ظمأً، فماذا يمكن ان يقال بعد ذلك؟ واي دفاع يمكن ان يكون مقبولاً أو حتى مغفوراً؟ Aishasultan@hotmail.com