الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 هكذا روينا لك في حديث سبق طرفا من حكايات أيسوب الأديب اليوناني القديم الذي ولدته أمه حرا مثل بقية خلق الله .. ثم وهبه خالقه سبحانه وتعالى قلبا حافظا ولسانا لافظا .. بمعنى بديهية حاضرة وبلاغة في التعبير وكان يمكن أن يبلغ بموهبته وحكمته شأوا بعيدا وعاليا في مجتمع الاغريق ولكن شاءت حظوظه أن تضعه في أسار الرق، فكان أن بيع أكثر من مرة في أسواق النخاسة إلى أن أدركته رحمة السماء فوجد من يعتقه وكان في هذا التحرير من العبودية ما دفع أيسوب إلى أن يشد الرحال وأن يجوب كل بلاد اليونان ينثر الحكمة وينشر الحكايات ويشيع العبرة على ألسنة الطير والحيوان والجماد وسائر أنواع المخلوقات في الكتاب الذي المحنا إليه في الحديث الذي سبق، يرسم المترجم ، الدكتور أمام عبد الفتاح، مشهدا في مدينة أفسوس اليونانية حيث نصبوا موازين بيع الرقيق وكان بينهم أيسوب شخصيا وسط رجلين معروضين للبيع حيث كان السيد المشتري هو كزانثوس فيلسوف المدينة المرموق الذي بادر كلا من الأول والثاني بالسؤال: .. ماذا تستطيع أن تفعل ؟ ـ أي شئ يا سيدي القى كزانثوس نظره غير مباليه ولاشك على البضاعة رقم إثنان ولم تكن سوى صاحبنا أيسوب .. وكانت نظرة استهانة لأن أيسوب على نحو ما صورته الروايات المتواترة طويل الرأس ، بارز البطن .. داكن السحنة (كلمة أيسوب مشتقة من لفظة أثيوب بمعنى الحبشي) .. وأعاد الفيلسوف السؤال: ـ وأنت يا هذا ماذا تستطيع أن تقول ؟ ـ لا أستطيع أن أفعل شيئا يا سيدي ؟ ـ عجيب ! .. وكيف ذلك ؟! ـ لأن رفيقي لم يتركا لي شيئا أفعله هنا أعجب الفيلسوف بذكاء أيسوب فأضاف سؤالا آخر وهو يفتح كيس الاموال: ـ حسنا ! لو دفعت فيك ما يطلبونه من مال أتكون إنساناً صالحا وأمينا ؟ ـ سيدي سوف أظل إنسانا صالحا وأمينا سواء إشتريتني أم لا. وهكذا حسم الأمر. وانضم الحكاء الموهوب أيسوب إلى بيت الفيلسوف الكبير كزانثوس. و .. عسى أن يكره الإنسان شرا وفيه من خالقه خير كثير لا يعرفه الإنسان: فقد دخل أيسوب في خدمة فيلسوف فكفل له صاحبه ما يحتاجه من أمور العيش وربما كان ما يحتاجه هو أقل القليل. وكأنه كفاه أمر التعب كي يكف نفسه عن السؤال وأتاح له مزيدا من حرية الفكر والإبداع ومساحات من أوسع ما يكون يخلق فيها موهبته في فن القص على ألسنة كل مخلوقات الله دون أن تحول قيود الاسترقاق بينه وبين هذا التحليق. لكن ها هي إحدى حكايات أيسوب تستدعى التوقف عندها وهي تحمل عنوانا صاغه المترجم في العبارة التالي: .. حمولة من الاكاذيب. والحكاية الاسطورية، تدور حول تلك الحمولة الخرافية التي وضعها هيرميس ، معبود اليونان القديم على عربته. وقد نذكرك بأن السيد هرميس المذكور أعلاه كان هو المختص بأمور السرعة ونقل الرسائل وأمور المواصلات وشئون التجارة ولأن هرميس هذا كان ابن كبير أرباب الاغريق زيوس فقد تولى تلك المسئوليات الجمة المتنوعة وفوقها كان رسول الهة الاولمب إلى البشر وكان المسئول الأول عن المسابقات الرياضية . من الأولمبياد وأنت نازل .. هذا فضلا عن المسئولية الخطيرة عن مرافقة أرواح الموتى في رحلتهم الختامية إلى العالم الآخر .. مع هذا كله. وربما لتخفيف وطأة المهمة الرهيبة الأخيرة . فقد كان هيرميس من المعبودين الخفيفي الدم وأيضا من ذوي العراقة التاريخية . فهو من ناحية معبود طروب يحب الحياة والغناء والموسيقى ويشغف بجو الاحتفالات .. اليس هو مخترع القيثارة؟ وهو من ناحية أخرى يستند إلى تاريخ طويل يمتد إلى المصريين القدماء الذين عرفوه بأنه مخترع فن الكيمياء أو فن السيمياء أو فن الحيل العلمية التي تحول النحاس إلى ذهب أبريز، ثم عرفه الرومان باسم ميركوري ومنه جاء اسم الزئبق علامة على السرعة والتغير والقدرة على التشكيل في صيغ شتى. هكذا صورت حكاية أيسوب السيد هرميس وهو يدفع أمامه يوما عربة وضع فوق متنها حمولة من .. الاكاذيب يتجول بها في أنحاء الكرة الأرضية ! وقد حملت العربة مقادير من الشرور والآثام والآفات. وكلما حل في أرض القى بعضا من تلك الشرور فوق سطحها لينال أهلها قدرا من تلك المشكلات. لكن الحكاية الاسطورية القديمة ـ أو المفروض أنها قديمة ـ لا تلبث أن تضيف سطورا تقول: وحين وصلت العربة إلى أرض العرب أندكت قوائمها وانهار هيكلها ... ذلك لأن السكان (في بلاد العرب ) هجموا على العربة يغتنمون ما فيها لدرجة لم يبق بها شيء آخر يحمله هرميس إلى بلاد أخرى. انتهت الحكاية وبقى تذييلها بمغزى أخلاقي ضمن حكايات أيسوب القديمة يقول بالحرف: ـ ان العرب أعظم كذبة في العالم كله (!) وهم المخادعون الغشاشون على ظهر الأرض وألسنتهم لا تعرف الحقيقة قط. انتهى التذييل بدوره لكن لم ينته الموضوع ، ذلك لأن الدكتور إمام عبد الفتاح آثر أن يذيل التذييل بتعليق ضاف قال فيه: آثرت أن انقل هذه الحكاية كما هي دون أن أغير فيها شيئا، وهي في الواقع تحتاج إلى تأمل لأنها مختلقة ومدسوسة على أيسوب .. فالرجل بالقطع لم يكن يعرف العرب ولا أظن أن الاسم (العرب) نفسه كان معروفا في عصر أيسوب ـ القرن السادس قبل الميلاد - الحكاية إذن موضوعة حديثا. ومن ناحية أخرى فلم أجد لهذه الحكاية (بالذات ) أثراً في الترجمة القديمة التي قام بها الأديب الإنجليزي سير « روجر ليسترانج» وكانت على وجه التحديد عام 1692 وهو أول من قدم ترجمة لمجموعة «حكايات أيسوب» وقد نشرت ترجمته في بلاد عديدة وطبعت عدة طبعات في إنجلترا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، الحكاية أنه ليست من وضع أيسوب .. فمن أين جاءت هذه القصة العجيبة .. ومن الذي وضعها وما هدفه ؟ وإذا كانت هذه الحكايات معدة لتدريس الاطفال في كثير من الاحيان ، فأي حقد يزرع فيهم منذ الصغر؟ وأي ضلال يترسخ في نفوسهم في هذه السن المبكرة نحو العرب .. بلادهم وأطفالهم وقضاياهم؟ إلى هنا انتهت تساؤلات الدكتور امام عبد الفتاح مترجم حكايات أيسوب. وأيا كانت الاجابات .. فالحاصل أن أصابع الإتهام تشير إلى اليهود الصهاينة . هم الذين لهم مصلحة في تشويه صورة العرب .. وهم المشهود بأنهم وضاعون .. منتحلون .. ومزيفون عبر التاريخ إبتداء من سموم الإسرائيليات التي أقحموها على تراث المسلمين وليس انتهاء بمؤامرات الحذف والإضافة التي مارسوها بحق مراجع تأسيسية، بل ودوائر معارف (منها مثلا الموسوعة القومية البولندية) ومنها إصدار طبعات مشوهة يحرفون بها الكلم عن مواضعه لكتاب الله الكريم. فليحذر الباحثون .. الاكاديميون والقائمون الموقعون من هذا الكيد العلمي. هذا التزييف المتحامل والتشويه المغرض للمراجع وأمهات الكتب .. وليقرأ الجميع هذا كله بعين بصيرة ورؤية ناقدة مستبصرة .. فالعدو غادر وصبور لا تفرغ جعبته الشريرة من حمولة هرميس المفعمة بالاحابيل والمؤامرات .. وهو كامن متربص في أماكن شتى .. سواء كان قابعا في جوف دبابة أو كان مستترا خلف حرف من حروف الكلام.