الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 كتب احد المعلقين الاميركيين، عشية صراع ادارة جورج دبليو بوش مع مجلس الامن ـ وقد فشل بوش فيه ـ لاستصدار قرار يشرع له الحرب على العراق، ان امام مجلس الامن الدولي خيارا من اثنين: اما الخضوع للادارة الاميركية والتحول بالتالي الى مجرد خاتم مطاطي في يدها او التمرد عليها والتحول، اذا ما دامت واشنطن تصر على شن الحرب ولو منفردة، الى منتدى دولي للكلام فقط من دون ان يكون له حول ولا قوة. وفي رأي الكاتب انه في الحالين معا، وايا كانت وجهة التطورات والملابسات، ستكون الولايات المتحدة الاميركية هي صاحبة السبق في فترة ما بعد الحرب وستكون منظمة الامم المتحدة ـ وتاليا العالم كله بما فيه من دول كبيرة وصغيرة، قوية وضعيفة، صاحبة حق بالفيتو او مجرد شاهد زور ـ هي الخاسر في خاتمة المطاف. هل يعني تقدم الولايات المتحدة وبريطانيا بمشروع قرار امام مجلس الامن، ثم سحبه قبل تنفيذ فرنسا وروسيا تهديدهما باستخدام الفيتو ضد المشروع، غير هذا المعنى السابق الذكر... معنى اعتبار الامم المتحدة، ومجلس الامن، والفيتو معا كما لو انها مجرد مقهى لتداول الاحاديث ؟! الآن، وغداة الحرب الاميركية الانفرادية ـ برغم مشاركة بريطانيا واستراليا وبولندا فيها لزوم لافتة التحالف الدولي التي خيضت تحت شعارها ـ ينطرح السؤال بالحاح وبقوة: ما هو مستقبل الامم المتحدة كمنظمة دولية وحيدة لرعاية شئون الحرب والسلام في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وما هو خاصة مستقبل مجلس الامن الدولي، بعد هذه الحرب؟! غطاء الرأس اول من اجاب بوضوح عن السؤال كان رئيس مكتب الشئون السياسية في وزارة الدفاع الاميركية ريتشارد بيرل قبل استقالته مجبرا بعد انكشاف علاقته بشركات تستفيد، ويستفيد هو، ماليا من موقعه بقوله، في مقال نشر في الغارديان اللندنية، انه يحمد الله على ان الامم المتحدة قد ماتت. بل لم يكتف بذلك، وانما حدد طبيعة موتها بأن قال انه موت الوهم القائل بأن الامم المتحدة هي نظام سياسي عالمي ، وان كانت ستبقى بعد ذلك مقرا للثرثرة على ضفة نهر هيدسون في مدينة نيويورك. لكن وزير الخارجية كولن باول، وهو بالمناسبة محسوب على فريق الحمائم الاميركيين الذي اصيب بهزيمة كبيرة بسبب القرار الانفرادي بشن الحرب على العراق، اوجز في مقابلة مع صحيفة النيويورك تايمز يوم 28 مارس الماضي رأيه ـ او لنقل رأي الادارة التي يعمل فيها ـ في مستقبل المنظمة الدولية في الامد القريب. فيما قاله كولن باول جاء ما يأتي: انه، في مواجهة المشاعر المعادية للحرب دوليا، ستسعى الولايات المتحدة الى ايلاء الامم المتحدة دورا جوهريا في عراق ما بعد الحرب، وفي التحرك بقوة لاعادة اطلاق المحادثات السلمية بين اسرائيل والفلسطينيين، وفي التقرب مجددا من الاصدقاء الذين ربما كانت لنا بعض المصاعب معهم في المرحلة الماضية. ومع ان هناك رأيا آخر في الادارة الاميركية يرفض حتى مثل هذا الدور للمنظمة الدولية، وينطلق كما اعلنت مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس من نظرة ان من دفع المال والدم لتحرير العراق هو الذي يحق له دون غيره اعادة بناء العراق في صيغته الجديدة ، فان باول اضاف: لقد أوضحت الأمم المتحدة، بلسان امينها العام كوفي عنان، انها لا تريد ان تصبح سلطة الحكم في العراق. الا ان لها دورا تلعبه بعدد من الطرق الاخرى.. لأن هناك حاجة «اميركية طبعا»!! لها من اجل توفير شرعية دولية للاحتلال. .. وفي هذه العبارة، عبارة شرعية دولية للاحتلال ، جزء كبير من معاني الدور الذي تتصوره الولايات المتحدة لمنظمة الامم المتحدة فيما تصفه بـ «اليوم التالي في العراق». ويوضح كولن باول هذه النقطة بكلمات اكثر دقة: على الامم المتحدة ان تقوم اولا بدور غطاء الرأس ـ استخدم هنا كلمة chapeau باللغة الفرنسية ـ لتأكيد شرعية وصدقية واسعتين لعمليات ما بعد الحرب في العراق، بما فيها بعض عمليات اعادة البناء. وان تقوم ثانيا بدور الوعاء، بحيث تتلقى الاموال من المجموعات التي تقدم مساعدات، ومن اولئك الذين سيمولون اعادة بناء العراق. أوضح من ذلك، يقول باول: كواقع عملي، لن يتمكن العراق وهو تحت الاحتلالين الاميركي والبريطاني ان يصدر، من دون نوع ما من الشرعية الدولية، عملة نقدية عراقية تعترف بها الدول الاخرى وتتعامل معها، او ان يبيع نفطه في الاسواق العالمية. ...هذه اذن هي المنظمة الدولية التي تتصورها الامبراطورية الكونية ، والتي يحلم بها صقور البيت الابيض والبنتاغون ومجلس الامن القومي، للقرن الحادي والعشرين. انها، كما يقول بيرل، مجرد ناد للثرثرة لا يقدم ولا يؤخر في شئون العالم. بل هي، كما يقول باول، مجرد طربوش تضعه الادارة الاميركية على رأس العراق الآن، لتنقله فيما بعد فتضعه على رأس دولة أخرى، في المنطقة العربية او في غيرها، عندما ترى ذلك مناسبا!! هل تتجه المنظمة الدولية، على علاتها الناتجة عن هيمنة الولايات المتحدة والدول الأربع الكبرى الأخرى عليها، الى هذا المصير؟! رصاصة الرحمة قد يكون الجواب عن السؤال سابقا لأوانه حاليا، او هو غير مطروح أصلا كما تقول الاندبندنت لأن الامم المتحدة من وجهة نظرها باقية وتملك القوة للوقوف في وجه واشنطن وحتى لمحاسبتها، الا ان ما فعلته الولايات المتحدة بالمنظمة حتى الآن يبقي الأمور في دائرة الخشية من ان يكون مصير الامم المتحدة على طريق المصير الذي انتهت اليه عصبة الأمم عشية الحرب العالمية الثانية. حتى قبل الحرب على العراق، كانت واشنطن قد وجهت العديد من السهام الى المنظمة الدولية، فاضعفتها قبل ان تبادر الى اطلاق رصاصة الرحمة عليها، كما يأتي: أولا: في الشكل: تعتبر الولايات المتحدة الاميركية، ومنذ سنوات، اكبر الدول المدينة «مع انها الدولة الأغنى في العالم» للامم المتحدة بعد ان توقفت منذ فترة طويلة عن سداد حصتها السنوية في ميزانية المنظمة الدولية، فضلا عن انها انسحبت من اليونيسكو لأسباب لم تقتنع بها دولة واحدة اخرى من دول العالم. ثانياً: في المضمون رفضت الولايات المتحدة في المدة الاخيرة، وباصرار، ان تنضم الى واحد من اهم انجازات المنظمة «محكمة الجزاء الدولية»، بذريعة ان هذه المحكمة قد تطال بعض رموز الادارة الاميركية بسبب ممارساتهم فيما تصفه هذه الادارة بأنه مهمات صنع السلام او حفظ السلام في دول اخرى في العالم. وعمليا فاذا لم تكن هذه الذريعة صحيحة فتهمة خروج واشنطن على المنظمة وعلى الشرعية الدولية تكون اذن ثابتة، واذا لم تكن صحيحة فتهمة اشد واقسى منها ـ ارتكاب جرم جزائي ـ تكون اذن ثابتة بدورها. اما بعد الحرب، فيكشف الحوار الدائر الآن حول اي دور للمنظمة في اعادة بناء العراق، والحوار الآخر حول امكان عودة المفتشين الدوليين الى بغداد للتثبت من وجود او عدم وجود اسلحة دمار شامل، والثالث حول الالغاء النهائي او التعليق المؤقت لنظام العقوبات المفروض على العراق، او الغاء او تعليق برنامج النفط مقابل الغذاء، ان النيات الاميركية فيما يتعلق بمستقبل منظمة الامم المتحدة لم تختلف في شيء عما كانت عليه قبلها. لقد قيل سابقا ان القوة العظمى الوحيدة في العالم تجد نفسها، بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط نظام القطبين، في حل من المساومة التي تمت في يالطا بين القوى العظمى الخمس لتقاسم ثمار النصر المشترك على النازية في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي من صيغة مجلس الامن التي اعطت كلا من هذه القوى دورا مماثلا سواء في حق النقض «الفيتو» أو في غيره من امور الحرب والسلام في العالم. .. والحديث الاميركي عن نادي الثرثرة على ضفة نهر الهيدسون، او عن الطربوش الذي يضفي الشرعية على الاحتلال المنفرد، ليس الا الخطوة الاولى التي ستليها حتما خطوات اخرى يكون من شأنها اطلاق رصاصة الرحمة بصورة نهائية وكاملة على المنظمة الدولية للامم المتحدة. ـ كاتب لبناني