الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 مثلي مثل كثير من المتابعين للأحداث، فوجئت بالسقوط السريع للعاصمة العراقية بغداد بعد ثلاثة أسابيع من المقاومة فى المدن والمناطق الجنوبية من العراق. ورغم أن معظم المحللين العسكريين الذين كانوا يتابعون المعركة كانوا يسيرون فى اتجاه أثبتت النتائج النهائية للحرب أنه كان معاكسا لما كان يحدث على أرض الواقع، إلا أن الحقائق تتكشف يوما بعد الآخر مؤكدة على أن ما حدث كان فيه خفايا وأسرار كثيرة ربما لن يكشف الكثير منها على المدى القريب. ومنذ سقوط بغداد حتى الآن وأنا أحاول فهم ما حدث من خلال التقارير والمقابلات الشخصية مع متابعين قريبين أو مراسلين حربيين ممن كانوا فى مناطق خطرة مثل الزميل محمد العبد الله الذي كان المراسل الصحفى الوحيد فى البصرة طيلة أكثر من أسبوعين من الحرب ، أو من زملاء آخرين كانوا فى الجنوب أو فى بغداد ، كذلك من مسئولين سابقين فى النظام العراقى أو زعماء فى المعارضة ، كانت لهم صلات قوية فى الداخل قبل وبعد انتهاء معركة بغداد ، أو من اتصالات وجلسات استماع ونقاش مع مهتمين ومتابعين ومختصين فى الشأن العراقي، كذلك من خلال قصاصات صحفية كثيرة لمراسلين غربيين رافقوا القوات الاميركية فى معركتها ، وأستطيع أن أوجز قصة سقوط العاصمة العراقية بغداد فيما يلي: بداية فإن القائد العام للقوات المسلحة العراقية الرئيس العراقى السابق صدام حسين ليس لديه أى خبرة عسكرية محترفة فهو لم يقبل فى الكلية الحربية ورفض طلبه مرتين ، وكانت عقدته الأساسية أن الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر كان عسكريا محترفا ، لكنه استطاع أن يقضي عليه وأن يتسلم منه مقاليد الحكم عام 1979 بوسائل مختلفة ، كما أنه يحمل تاريخا عسكريا مليئا بالفشل مثل حربه مع إيران التي امتدت ثماني سنوات قضت على ثروات العراق وآماله فى بناء نفسه أو حرب الخليج الثانية التي دمر فيها مقدرات العراق ووضعها تحت الحصار هى والشعب العراقى الذي حاصره بأجهزة أمنية زرعت فيه الخوف. ولأنه فاشل عسكريا وغير محترف فقد وضع مجموعة من الفاشلين وشبه الأميين على رأس المؤسسة العسكرية وضرب بالتقاليد العسكرية العريقة عرض الحائط ، فعين زوج ابنته السابق حسين كامل الذي كان قد هرب إلى الأردن ثم عاد وقتل بعد ذلك، عينه وزيرا لأخطر ثلاث وزارات فى الدولة هى وزارات الدفاع والتصنيع الحربى والصناعة ، فى الوقت الذي كان فيه حسين كامل غير متعلم وشبه أمى وكل مؤهلاته أنه من تكريت وكان أحد جنود الحراسة الخاصة المخلصين لصدام فى فترة ما فرقاه إلى أعلى المناصب متجاوزا كل الأعراف العسكرية وغير العسكرية ، كذلك علي حسن المجيد أو علي الكيماوي كما كان يسمى والذى كان قائد المنطقة العسكرية الجنوبية فى العراق والذى قاد قوات غزو الكويت ، لم يكن سوى ضابط صف لم يحصل على أى شهادة عسكرية ، لكنه منحه رتبة فريق أول أركان حرب،.. وأركان الحرب ليست لقبا وإنما هى شهادة يحصل عليها العسكريون بعد دراسة وامتحانات وعادة ما يتقدمون إليها بعد الحصول على رتبة مقدم فى بعض أنظمة الجيش. لكن المجيد لم يحصل حتى على الأبتدائية العسكرية. أما قادة العسكرية الآخرون أثناءالحرب مثل طه ياسين رمضان أو عزت إبراهيم فيقال ان أحدهم كان بائع ثلج قبل أن يترقى فى درجات الحزب ويصل إلى نائب رئيس الجمهورية ثم أحد القادة العسكريين الستة المسئولين عن الدفاع عن العراق ، وكونه بائع ثلج سابقاً لا يعيبه شيئا ولكن الحروب وقيادة المعارك العسكرية لها تقاليد ولها احترام لا يجب تجاوزه، ولنا أن نتخيل أن بعض قادة الفرق العسكرية أو أجنحة الجيش يدركون وهم يخوضون المعركة أن الذي يوجههم شخص أمي كان حارسا للرئيس أو بائع ثلج سابق أو أمي لا يعرف القراءة والكتابة. لذا فمن الواضح أن الولاء الشخصى والأمية والجهل كانت هى المؤهلات الأساسية التي تضع الناس فى صفوف قيادة جيش يدافع عن دولة مثل العراق ولأن القهر والقتل كان الأسلوب الطبيعى الذي يستخدمه صدام فقد كان القادة العسكريون لايعرفون ولا ينفذون إلا ما يقوله الزعيم الملهم وقادة أركانه الأميون. أيضا لم تكن هناك خطة محددة للدفاع عن بغداد أو العراق بشكل عام ، وقد اتضح لي ذلك حينما كنت فى بغداد قبيل اندلاع الحرب بأيام، حيث أكد لى الكثيرون أنه باستثناء بعض الخنادق التي حفرت فى المدينة لم يكن هناك أى مظاهر تدل على أن المدينة تترقب المعركة سوى تسريب إشاعات بأن هناك سبعة ملايين مسلح سوف يأكلون الاميركيين ويسحقونهم حينما يقتربون من أبواب المدينة ، لكن الجبهة الداخلية كانت ممزقة للغاية ، ولايمكن لأى قائد أن يخوض معركة داخلية وجبهته الداخلية ممزقة وكارهة له ولنظامه وهذا ما لم يدركه صدام. أما مسار المعارك فسوف نتحدث عنه فى مقال الاسبوع المقبل. ـ كاتب واعلامي مصري