الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 استحوذت الحرب الانجلواميركية على العراق على الاهتمام لدرجة ان البعض قال ان قضية العرب المركزية وهي القضية الفلسطينية قد توارت واصبحت في طي النسيان، رغم اعتقادي ان قضايا الشرق الاوسط سواء في العراق او فلسطين او غيرهما مرتبطة بشكل لايمكن ان نعزل اي منها عن الاخرى، وعلى اي حال بعد ان سقط نظام صدام حسين ووقع العراق تحت قبضة الاحتلال الاميركي عادت الاضواء تسلط من جديد على المسألة الفلسطينية الامر الذي طرح معه العديد من التساؤلات حول امكانية بعث جهود التسوية السياسية من جديد رغم التغيرات الاقليمية والدولية التي اعقبت الحرب على العراق. وفي تصوري ان نجاح السلطة الفلسطينية في تشكيل حكومة بعد وساطة مصرية عاجلة امر قد ساهم على نحو كبير في تهيئة المناخ السياسي بالمنطقة للحديث عن عودة جهود السلام، على الرغم من ثوابت اخرى لم تتغير ومنها ان الحكومة الاسرائيلية مازالت تمارس سياسة القهر والعدوان على الشعب الفلسطيني. ومن هنا يمكن القول ان مهمة حكومة ابو مازن ليست سهلة ومن المتوقع ان تقابلها تحديات كثيرة، قبل الحديث عنها في عجالة نشير الى ان هذه الحكومة تستند الى مؤشرين ايجابيين نوضحهما فيما يلي: المؤشر الاول.. ان الحكومة الفلسطينية تطرح وجوها حقيقة ليست جديدة على العمل السياسي والنضالي الفلسطيني ولكنها للمرة الاولى تقدم خيارا جديدا مختلفا ولو نسبيا عن رموز السلطة الوطنية الفلسطينية التقليدية، وهو امر قد يساهم في اعطاء التحرك الفلسطيني شيئا من المرونة وحرية الحركة والمناورة في مقابل سياسة التعنت الاسرائيلي والتشدد اللذين يتعامل بهما ارييل شارون مع الفلسطنيين. المؤشر الثاني.. ان الحكومة الفلسطينية تأتي تأكيدا للالتزام الفلسطيني بضرورة العودة الى التفاوض كوسيلة جدية لحل النزاع، مما يعني ان الفلسطنيين جادون في المضي قدما نحو التسوية السلمية وهو ما يمكن ان يكشف سياسة اللف والدوران الاسرائيلية امام العالم الذي انشغل بالحرب على العراق وتداعياتها. ولكن حكومة ابو مازن ستواجه بمشكلتين اساسيتين تعتبران التحدي الاول الذي عليها ان تواجهه المشكلة الاولى تتعلق بكسب ثقة الشارع الفلسطيني الذي اعتاد على ان يبدي انفعاله العاطفي لرموز العمل الفلسطيني، ومن الطبيعي ان كسب هذه الثقة سوف نتوقف على مدى مواجهة الحكومة لهموم الفلسطنيين اليومية والمتمثلة اجمالا في تامين لقمة الخبز وتوفير فرص العمل المهدد دوما بالحصار والاغلاق الاسرائيليين للمناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وكيفية وضع حد للعدوان الاسرائيلي اليومي على الشعب الفلسطيني. اما المشكلة الثانية فهي التوفيق بين الفصائل الفلسطينية المختلفة والسلطة الوطنية الفلسطينية، وفي تقديري ان الاتفاق على حد ادنى من المبادئ يمكن ان يمهد الطريق لارضية مشتركة تجمع هذه الفصائل بكل توجهاتها ومنابعها الفكرية المختلفة ورؤاها للعمل النضالي الفلسطيني. وتنطلق نقطة البداية من خلال تدشين حوار فلسطيني ـ فلسطيني يعتمد نجاحة من وجهة نظرى على اربعة شروط: 1ـ الالتزام بوحدة الصف الفلسطيني مهما حاولت اسرائيل اختراقه او الايقاع بين الفصائل الفلسطينية من جهة والسلطة الوطنية من جهة اخرى او قيام اسرائيل بمحاولة الايهام بوجود خلافات بين الرئيس عرفات ورئيس الوزراء محمود عباس ـ ابو مازن ـ من اجل نقل صورة مشوهة عن المناخ السياسي الفلسطيني. 2ـ الالتزام بعدم تقديم تنازلات للجانب الاسرائيلي خاصة بشان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. 3ـ اعتبار الانتفاضة خيارا قائما لمواجهة سياسة العدوان الاسرائيلي والاتفاق على ان العمل الاستشهادي هو من صميم مجابهة العدوان طالما استمر شاروون في ممارساته اللانسانية ضد الشعب الفلسطيني. 4ـ امن الاسرائيليين مرتبط بتوقف سياسات شارون العدوانية وان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة شرط اساسي لتكريس هذا الامن. ولاشك ان المحك هو الذي سيثبت كيفية تعامل الحكومة الفلسطينية مع القضايا المختلفة سواء فيما يتعلق بالشان الداخلي او كيفية ادارة الصراع مع اسرائيل او ما يتصل بتفاعل السلطة الفلسطينية مع المتغيرات الاقليمية والدولية من خلال العلاقات مع الاشقاء العرب والعلاقات مع المجتمع الدولي ككل ولاسيما الولايات المتحدة التي تحاول العودة الى المنطقة بطرح صيغ للتعايش الفلسطيني الاسرائيلي بقيام متلازم لدولتين عربية وعبرية، وهو ما عبرت عنه الادارة الاميركية سواء من جانب الرئيس جورج بوش او وزير خارجيته كولن باول. وفي تصوري يجب الاستفادة فلسطينيا وعربيا من الطرح الاميركي حتى ولو كان من قبيل تخفيف وطاة الاحتلال الاميركي للعراق على العرب او انه من باب الدعاية المبكرة للانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها العام القادم. ان تشكيل حكومة فلسطينة هو في حد ذاته تطور ايجابي يخدم التحرك الوطني للسلطة الفلسطينية، ولكن من الخطورة عدم كشف ما ستقوم به اسرائيل لتقويض دور هذه الحكومة. ولعل نقطة البدء كانت من خلال تعليق اولى لاسرائيل على نجاح ابومازن في تشكيل الحكومة من انه هو رجل الساعة اما الرئيس عرفات فقد انتهى دوره على المسرح السياسي الفلسطيني. وفي اعتقادي ان البداية عندما تكون دك اسافين بين الرجلين فان ما سياتي سيكون اكثر خطورة، خاصة عندما تبدا الحكومة الفلسطينية في التعامل على ارض الواقع التي غالبا لن تكون ممهدة بالقدر الكافي!! ـ كاتب مصري