الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 «الابداع يحل اي مشكلة، العمل المبدع والانتصار على العادة الموروثة يتخطيان كل الحواجز». جورج لويس ترى هل يمكننا ان نجادل في جدارة هذه الفكرة بالاحترام والقبول، وهي التي اثبتت فعاليتها بالدليل والبرهان، وهيأت للنماذج المتميزة من السباقين ممن تحرروا من اسر العادة، ورفضوا النمطية وتكرار المألوف، وتمردوا على ما هو سائد وأبوا ان يحاصروا في زاوية من الحياة فيكبلوا باصفاد الوهم قبل ان تكبلهم اغلال الحياة؟!! لاشك ان باب الجدل مفتوح على مصراعيه لهواة الثرثرة، واساطين البحث عن المشاكل، اولئك الذين ما فتئوا ينظرون منذ عصور ما قبل التاريخ والى اليوم حول جدوى الاعتراف بالقصور والعجز امام التحديات الصعبة، لاراحة النفس من مغالبة القدر اذا ما وجد الفرد ان حجم التحدي القائم اكبر من حجمه وطاقته!! والصحيح ان أسر العادة الموروثة هو أسر فكري قبل ان يكون اسراً مادياً يصادر من الانسان بعض حقوقه، ويسلبه بعضاً من الامتيازات التي لديه. فالأسر الحقيقي هو أسر الفكر من ان ينطلق الى الحدود القصوى باحثا عن حلول جديدة، مؤمنا ان الثقة بالذات هي حجر الزاوية في هدف معالجة المشكلة وتطويقها قبل ان تستفحل. كما ان هذه المرونة الفكرية، والقرار بإعطاء الضوء الاخضر للخيال ليسلك مسارات عدة باحثاً عن فكرة جديدة تنقذ الفرد من واقعه الصعب هي الحلقة المفقودة في العلاقة بين الفرد وعقله. فكم اودى الانكفاء الفكري باصحابه، وكم جنى عليهم قبل ان يهزمهم طرف خارجي يملك القوة والسلطة. ان التبعية العمياء لما هو كائن ومتبع هي المسئولة عن تكريس ردود الافعال السلبية التي تحبس انفاس اصحابها فرقاً من مواجهة المشكلة وتدفعهم للاستسلام رافعين راية الرضا بالقضاء والقدر كآية على الايمان، بل وربما قادتهم السذاجة الى القول بأن الاسلام يأمرهم بهذا الخنوع والتخلي عن مقاومة الأزمة، والاجتهاد للنجاح في اجتيازها بأقل قدر من الخسائر الممكنة!! وقد فات هؤلاء المتشبثين بظواهر النصوص دون أن يكدوا العقل قي فهم مقاصدها ان الهدف من المطالبة بالرضا بالقضاء والقدر هو في حد ذاته دعوة الى الصمود، واقرار بقدرة الانسان على السيطرة على نفسه ازاء المحنة. وعليه فان الدعوة الى الرضا بالقضاء والقدر ليست رسالة للخنوع واحناء الرأس للعاصفة، بل على العكس من ذلك اذ تطالب بالثبات وقت الازمة، وتدعو الى حسن التصرف حين التعرض للحدث المؤلم وهو ما اعترف به العلم الحديث واطلق عليه اسم «العلاج السلوكي» كخطوة اولى من الخطوات الحازمة في ادارة الازمة، والسيطرة على الامور. والامر بالرضا بالقضاء والقدر تحريض على قراءة الواقع الجديد قراءة متأنية، ودراسته وفق المعطيات الطارئة وغير السارة لحظة حدوثها حتى يتمكن الفرد من الوصول الى حلول جذرية تعيد اتصاله بالعالم الخارجي، ويتحول بالممارسات الذكية الى حدث سعيد فيما لو كان الفرد متمكناً من ممارسة وظائف التفكير الحر الرافض للهزيمة مهما كان نوع التحدي الجديد. هذه الانطلاقة غير المسبوقة في صناعة الحياة الكريمة من خلال البحث عن غير المألوف من الافكار هو ما ينقصنا اليوم كأفراد وجماعات. فكم من مشاكل بسيطة غاب عنها الفكر التحليلي الباحث عن مخارج جديدة لتطويق الأوضاع الحرجة قبل ان تستفحل، تحولت مع تسرب الوقت الى مشاكل مزمنة تستعصي على العلاج. وكم من مشاريع تنمية ذاتية تراجعت الى الخلف والسبب هو التأزم في ادارة المسئوليات والعجز عن تكييف البيئة الأسرية والاجتماعية وفق أهداف التنمية والتطوير. والمسئول عن هذه الاوضاع المرتبكة هو الفكر الجامد المدان بتكريس الافكار النمطية المسوّقة للفشل، والداعية الى تجريد العقل من فاعليته وامكاناته الكبرى!! انها جريمة كاملة الاركان يرتكبها الفكر الجامد الذي يأبى التحرر من قيده وأصفاده. وهي جريمة اخطر من السلاح والبارود لانها تمنع التفكير في المقاومة والبحث عن فرص للنجاة، كما انها تمنع العمل من أجل حياة أفضل. m-alnaymi@maktoob.com