الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 خرج العراقيون خلال الأيام الماضية إلى شوارع بغداد يهتفون ضد القوات الأميركية، وربما ضد غاي غارنر رئيس الادارة المدنية المؤقتة في العراق وذلك بعد سنوات طويلة من القمع وكبت الحريات. وليس بالأمر الغريب إذا هتف أحد المتظاهرين سهواً «بالروح نفديك يا صدام» من دون أن يقصد ذلك، لأنه تعوّد وأجبر على ذلك طوال السنين الماضية. هذه التظاهرات تطور إيجابي في الشارع العراقي للتعبير عن الرأي دون الخوف من بطش النظام ومعتقلاته. اليوم العراقيون وحدهم تقريباً في العالم العربي الذين يمكنهم أن يهتفوا ضد غارنر وغيره، وأن يعودوا في المساء إلى منازلهم وبدون قلق من «زوار الفجر». الصورة ليست وردية في العراق، ولكنها بداية إشراقة عهد جديد يخلو من الأصنام والتماثيل. العراقيون توحدوا واتفقوا في كره وبغض النظام السابق، ويجب أن يستمروا في وحدتهم من أجل بناء عراق جديد يحتضن كافة أبناء الرافدين باختلاف مذاهبهم وأعراقهم، فهذا هو السبيل للتخلص تماماً من ارث الحقبة الماضية ونحو غد أفضل. هذه التغييرات في العراق يتطلع لها الشارع العربي في كل مكان، ولكن ليس بالطريقة التي جرت في بغداد، أي بسقوط شهداء وتدخل أجنبي ودمار. الحرية التي يتطلع لها الانسان العربي يجب أن تنبع من داخل المجتمعات العربية وأنظمتها حتى تكون بنكهة عربية لا أميركية. فالسقوط المهين لنظام بغداد يجب أن يكون عبرة للآخرين وليس للدول العربية فقط، فالأنظمة القمعية والديكتاتورية والعسكرية في أفريقيا وغيرها يجب أن تدرك أن الكلمة الأخيرة بيد الشعب دائماً مهما طال الزمن. أحياناً تفرض التغيرات التي حدثت في العراق السؤال التالي: كم عراق يوجد في العالم العربي؟ وهل يجب أن تكون المطامع والتوماهوك الأميركية تستهدف بقعة عربية أخرى لتتكشف المعتقلات السرية والفساد؟ وكم ورقة «كوتشينة» يمكن أن تكفي حالات في العالم العربي مماثلة للقيادة العراقية المنهارة؟ وكم عزيز وعدي ورمضان بوجوه وأسماء مختلفة في عالمنا؟.. أسئلة كثيرة فجّرتها حرب العراق بحاجة لإجابات. على أي حال من الأحوال، ستستمر عجلة التاريخ في الدوران، وتسقط أوراق الشجر في الخريف لتظهر الحقيقة، وتنبت الأزهار في فصل الربيع لتمحو بعطرها رائحة الفساد. وحين يحل الشتاء، سيبحث الظالمون عن مأوى ليستر سوء أعمالهم ويقيهم غضب العدالة. وفي الصيف ستنقشع الغمامة السوداء لتضيء خيوط الشمس فجر يوم جديد. hsuae@yahoo.com