الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 كنا نظن أن الجراح العراقية تتداوى، وأن نيران الحرب قد خمدت. ولكن يبدو أن ذلك لم يتحقق حتى الآن، فالجراح مازالت تنزف والنيران تشتعل من حين لآخر دون مبرر «واضح»، خاصة وأن النظام الاستبدادي الذي كان يحكم العراق والذي اشتعلت الحرب بسببه قد تبخر وتلاشى، ولا نسمع الآن سوى ما يقوله الأميركيون عن تساقط «أوراق الكوتشينة» تباعاً، أي رموز النظام البائد واحداً بعد الآخر. من المؤلم أن القوات الأميركية مازالت تمارس استفزازاتها للمواطنين في العراق. ولعل ما حدث في منطقة الزعفرانية ببغداد، قد جعل أهالي العاصمة العراقية يشعرون بأنهم مازالوا يعيشون على خط النار. والأخطر من ذلك أن الانباء تحمل لنا من حين لآخر عمليات اطلاق نيران بطريقة عشوائية على المواطنين، وللأسف لم نسمع أي تعليق من القيادة الأميركية على ذلك سوى امطارنا بمبررات غير مقنعة. وقد كان من الأجدى أن نسمع من القيادة الأميركية ما يفيد بأنها ملتزمة بالحفاظ على أمن المواطن العراقي وأنها ستحاسب أي جندي أميركي يرتكب خطأ يسيء إلى ما تعلنه واشنطن دوما بأن مهمتها في العراق هي «تحرير» وليست «احتلال». ان المواطن العراقي الذي تخلص من حكم استبدادي لم يكن له مثيل في العالم منذ الحرب العالمية الثانية لا يأمن الآن على بيته وحياته. فهو لا يلمس ما يجعله يشعر بالأمان والاستقرار. ولذلك فان سرعة ملء الفراغ السياسي في بغداد وغيرها من مدن العراق ستساعد الى حد كبير على تلاشي الفوضى التي تهدد أمن المواطن العراقي. وفي الوقت نفسه يجب أن يتذكر الأميركيون أن الانتصار الذي حققته قواتهم على أرض العراق، ليس سوى انتصار عسكري وليس انتصاراً على ارادة شعب. وما نقصده أنه لابد أن تتاح للشعب العراقي الفرصة الكاملة لاختيار من يمثله أو على الأقل في المرحلة الراهنة يريد أن يشعر هذا الشعب الصامد الصابر أن من وقع عليه الاختيار بصفة مؤقتة يعبر عن نبض الشارع العراقي. كما أن ظهور الأميركيين على الساحة العراقية كقوة ضغط تسعى الى فرض ارادتها ونفوذها لايمكن أن يجلب الاستقرار للشعب العراقي. ان القوات الأميركية عليها أن تعيد انتشار وجودها بشكل يجعل المواطن العراقي على يقين بأن اقامة هذه القوات «مؤقتة». أما أن تصول وتجول كما نرى على الأرض العراقية، فأنها ستكون من وجهة نظر كل مواطن عراقي «قوة احتلال وهيمنة»، وهنا يحق للعراقيين ان يرفضوا هذا الوجود العسكري بكل الوسائل التي تتاح لهم.