الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 أقف مبهوراً ومعجباً في الوقت نفسه بقدرة الإنسان على التأقلم مع مختلف ظروف الحياة، لا سيما السيئة منها، بعد حياة حافلة بالمسرّات ... فهناك أناس يعيشون الجزء الأكبر من حياتهم مرفهين منعمين .. ثم تتغير الظروف فجأة ويقلب الدهر لهم ظهر المجنّ، كما يقال، ليجدوا أنفسهم مجردين من كل أسباب ومظاهر النعيم والرفاه والثروة .. إما لظرف مالي يتعرضون له، أو لظرف سياسي يلقي بهم في غياهب السجون، لتتحول حياتهم إلى صنف من الجحيم يفوق الخيال أحياناً، إلى الدرجة التي يصعب معها على عقل من لم يخض مثل تجربتهم تصديق ما يسمعه أو يقرأه عن معاناتهم. من هؤلاء الذين بهرتني قوة إرادتهم عبر ما سجلته وروته من تجربتها «مليكة أو فقير» الابنة البكر للجنرال محمد أو فقير .. تلك الفتاة التي تربت في القصور الملكية أحد عشر عاماً، ثم خرجت منها لتعيش في السجون عشرين عاما حافلة بالمعاناة، مع والدتها وأشقائها الخمسة، اثر المحاولة الانقلابية التي اتهم بتدبيرها والدها عام 1972، فتغير بذلك مجرى حياتها، وانقلبت رأسا على عقب كل أحوالها وأحوال أسرتها. في كتابها «السجينة» تروي مليكة أو فقير بعضاً من معاناتهم في السجون المختلفة التي تنقلوا بينها، فتقول: «عدا الأمراض، وجب أن نأتلف مع ضيوف غير مرغوب فيهم ينقلون غالبا أخماجا غير معروفة، فخلال الأمطار الغزيرة تساقطت على الأرض آلاف من ضفادع الأشجار، وقد جمعناها بالدلاء واعطيناها أولا لعبد اللطيف ـ الأخ الأصغر الذي أدخل معهم السجن وهو في الثالثة من عمره ليخرج منه وعمره 23 عاما ـ كألعاب يتسلى بها، وقد شغلته لبعض الوقت. ثم هناك الصراصير الكبيرة السوداء اللماعة التي تحرمني من النوم ليلا، فقد كنت أتألم دون انقطاع من آلام مفصلية وأتمدد في الظلمة فأشعر بها تدب على جسمي باردة كالصقيع، وقرون استشعارها تحف بجلدي. تقع زنزاناتنا تحت خزانات للمياه، والمياه ترشح رطوبة حتى في الصيف، وهذا ما يجذب البعوض حيث تغزونا جحافله حتى تكاد تغطي السقف، وهي تهاجمنا في الليل قارصة ومهوّمة بضجيج طائرة نفاثة، فكنا ننظم مباريات لصيدها بمكافأة بيضة من يقتل أكبر عدد منها خلال أسبوع، وكانت ماريا ـ أختها ـ مبرزة في هذه اللعبة المبيدة للحشرات المؤذية». «أما الفئران فهي أكثر وداً بصغرها وسرعتها، انها تجري في كل مكان، تخرج ليلاً من جحورها، وتتسلق على أسرتنا، ونحن أكثر تحملا من تحمل الجرذان التي كانت تغزونا رغم الفخاخ ومساحيق المبيدات». «يجب أن أشير إلى الجراد أيضا والذي يئز صريره في آذاننا مع قدوم الفصل الجاف، دون نسيان العقارب رفاقنا المتهادية في كل مكان وهي ترفع عقد أذنابها السامة». «لم يكن لدينا ما نعمله، نتابع أحياناً حركة صرصور بين شق وآخر في الجدار، ونهوّم نعاساً، والرأس فارغ، والسماء تغير لونها، والنهار ينصرم، يمر الأسبوع رتيباً كاليوم، وتتتابع الأشهر كالأسابيع، والسنوات لا تعني لي شيئاً، أَمَّحِق ذاوية، وأعاني الموت باطنياً، يخالجني شعور بأنني أعيش في هوة سوداء، تحاصرني الظلمة، كأنني كرة هوت في بئر تصطدم بحافة لترتد الى أخرى دون قرار». ورغم ذلك، تقول والدتها «فاطمة أو فقير» في كتابها «حدائق الملك» الذي تروي فيه المعاناة من جانبها: «أعتقد أن الانسان، في المآسي وفي الأوقات الصعبة، يكتشف في نفسه جرأة غير متوقعة، يستنفر من أجل بقائه على قيد الحياة وسائل لا تخطر بالبال، وتنبثق في ذهنه أفكار مدهشة، يخيل لمن يلاحظ وضعنا أننا نفضل الموت، بالعكس، كنا متعلقين بالحياة، ووجدنا ألف ذريعة لتحمل السجن والعزلة». في روايته المبنية على قصة حقيقية «تلك العتمة الباهرة» يتحدث الطاهر بن جلّون عن الكيفية التي حافظ بها بطل الرواية «عزيز» على عقله فيقول على لسانه: «كان العفن ينال من أجسادنا عضواً تلو الآخر، والشيء الوحيد الذي تمكنت من الحفاظ عليه هو رأسي، عقلي، كنت أتخلى لهم عن أعضائي، ورجائي ألاّ يتمكنوا من ذهني، من حريتي، من نفحة الهواء الطلق، من البصيص الخافت في ليلي. ألوذ بدفاعاتي متغافلاً عن خطتهم. تعلمت أن أتخلى عن جسدي، فالجسد هو ذاك المرئي. كانوا يرونه، ويستطيعون مسه وبضعه بنصل محمي بالنار، بإمكانهم تعذيبه، وتجويعه، وتعريضه للعقارب، للبرد المجمد، غير أني كنت حريصاً على أن يبقى ذهني بمنأى عنهم، كان قوتي الوحيدة». في روايته «شرق المتوسط» يقول عبدالرحمن منيف على لسان بطل الرواية «رجب»: «هل يمكن أن ترمم إرادة إنسان لم تعد تربطه بالحياة رابطة؟ أنا ذاك الإنسان، لا، لست إنساناً، السجن في أيامه الأولى حاول أن يقتل جسدي، لم أكن أتصور أني أحتمل كل ما فعلوه، لكن احتملت. كانت إرادتي هي وحدها التي تتلقى الضربات، وتردها بنظرة غاضبة وصمتاً. وظللت كذلك، لم أرهب، لم أتراجع، الماء البارد، ليكن. التعليق لمدة سبعة أيام، ليكن، التهديد بالقتل والرصاص حولي يتناثر، ليكن. كانت ارادتي هي التي تقاوم، الآن ماذا بقي فيّ أو منّي؟ في لحظات الغضب والتحدي أصرخ: يجب أن أفعل شيئاً، وما دمت فقدت كافة أسلحتي: النظرة الغاضبة، التحدي، الصمت، فلأجرب سلاح الكلمة، لأقل كلمة أخيرة قبل أن أرحل». تذكرت كل هذه التجارب وعدت إليها وأنا أشاهد على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد وجوه أولئك النساء العراقيات اللواتي كن ينتقلن من مكان إلى آخر، بعد انهيار النظام، حاملات صور أبنائهن وأزواجهن واخوانهن الذين غيبتهم السجون والمعتقلات، وربما القبور، في زمن كان مجرد السؤال فيه عن غائب جريمة، باحثات عن أثر أو رفات لهم، فرحت أبحث أنا أيضا عن حجم ذلك الحزن العميق الذي لا يمكن إخفاؤه أو مداراته في العيون .. وعن مقدار الأمل الذي يمكن أن يكون قد تبقى فيها .. وتساءلت: ترى كم من الجرائم نرتكب في حق إنسانيتنا ونحن نسوم بعضنا بعضاً شتّى صنوف العذاب والقهر؟ ترى هل هناك ما يبرر في هذه الحياة كل هذه العدوانية والشراسة والفظاعة التي نتعامل بها؟ ترى من هو المنتصر في هذه المعركة: أهو ذلك السجّان الذي لم يستطع كسر إرادة سجينه .. أم هو السجين الذي استطاع أن يخرج من سجنه أكثر صلابة وقوة وقدرة على مقارعة خطوب الحياة؟ سؤال لا يستطيع الإجابة عنه سوى أولئك الذين خاضوا تجربة من هذا النوع .. وهي على كل حال تجربة لا نتمنى لأحد أن يخوضها مهما كانت قيمة الدروس المستفادة منها. aliobaid2000@hotmail.com