الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 عقب نهاية الحرب وبداية الاحتلال خاطب الرئيس جورج بوش الشعب العراقي قائلاً: «سوف نساعدكم في بناء حكم نيابي يحمي حقوق المواطنين كافة، وآنذاك سوف تغادر قواتنا العسكرية». هذا الترتيب خاطيء كما يقول البروفيسور روبرت جنسن الاستاذ بجامعة تكساس في مدينة اوستن. العكس هو الصحيح كما يقول هذا الاستاذ الجامعي. فلن يكون من الممكن اقامة حكم نيابي حقيقي، وليس مجرد ديكور، إلا اذا غادرت القوات العسكرية الاميركية أولاً: اذ كيف تمارس جماهير الشعب العراقي ارادتها في ممارسة الخيار الديمقراطي من ترشيح وتصويت وعمل تنظيمي حر في ظل احتلال عسكري اجنبي؟ ان رؤية الرئيس بوش تفضح في الحقيقة الاهداف التي اعلنتها واشنطن لتبرير غزو العراق. فأسلحة الدمار الشامل لم يعثر عليها وعلاقة نظام الرئيس صدام حسين بتنظيم «القاعدة» الارهابي لم تثبت، واما فيما يتعلق بالهدف الثالث، وهو الاهم، فإن «تحرير» الشعب العراقي تحول الى احتلال ارضه كخطوة تمهيدية نحو احتلال ارادته. ان الهدف الاساسي الحقيقي لادارة بوش تجاه العالم العربي لا يختلف عن هدف الادارات الاميركية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. وهو تقوية السيطرة الاميركية على موارد المنطقة النفطية وما يتبع ذلك من ارباح، فمثل هذه السيطرة تتيح للولايات المتحدة قوة استراتيجية رهيبة على اقتصادات الدول أو المجموعات المنافسة لواشنطن في الساحة الدولية، وعلى الاخص اوروبا الغربية واليابان والصين التي تعتمد بصورة اساسية على نفط الشرق الاوسط. تأسيساً على هذا المنطق نفهم لماذا ظلت الادارات الاميركية المتعاقبة ـ وادارة بوش ليست استثناء ـ لا تحبذ إلا مساندة انظمة استبدادية في المنطقة وقياساً على هذه القاعدة فان حكماً ديمقراطياً في العراق لن يسمح بقيامه على الاطلاق ما لم يكن منسجماً مع المصالح الاميركية. ولننظر في احدث واقرب مثالين افغانستان وفنزويلا. في افغانستان كان للولايات المتحدة مرشح جاهز سلفا لتولي السلطة «حامد كرزاي»، وبترتيب اميركي عقد اجتماع لقوى افغانية في الخارج وآخر في الداخل «لانتخاب» حاكم. وعن طريق اساليب الرشاوى او الترعيب فرضت القوة الاحتلالية الاميركية من تريد. وفي فنزويلا سارعت الولايات المتحدة الى اعلان تأييدها لمحاولة انقلابية «فشلت لاحقا» اطاحت مؤقتاً بالرئيس المنتخب هوغو شافيز. ومما رشح عن هذه الحادثة ونشر في الوسائل الاعلامية ان مسئولين اميركيين عقدوا اجتماعات مع ضباط جيش فنزويليين وعناصر في المعارضة. ولأن شافيز تعامل مع الولايات المتحدة كرئيس وطني ذي سياسة استقلالية، فان العملية الديمقراطية الحرة التي اتت به الى السلطة لم تعد ذات بال من المنظور الأميركي. في ضوء هاتين التجربتين، وفي ضوء ثوابت السياسة الدولية الأميركية، كيف يمكن ان تسير الأمور في العراق؟ ان الوضع الأمثل بالطبع هو أن يتاح للشعب العراقي ممارسة ارادته الديمقراطية تحت مناخ حر وحيادي. ومن أجل خلق هذا المناخ ينبغي أن تغادر القوات الأميركية (ومعها القوات الأجنبية الأخرى) الاراضي العراقية لتحل محلها قوات دولية تعمل تحت ادارة دولية تعينها الولايات المتحدة. لكن هذا يعيدنا الى السؤال الأصلي: متى تغادر القوات الغازية العراق؟ وهل من المنظور أصلا أن تغادر؟ ان المؤشرات الأولية المتوافرة حتى الآن، وتزداد وضوحا مع مرور الأيام، لا تبشر بخير. لقد راهنت الادارة الأميركية قبل الحرب على قيادات لفصائل معارضة عراقية في الخارج. ولكن مع مشرق كل يوم بعد نهاية الحرب تكتشف ادارة بوش ان هذه القيادات كلها تقريبا ليس لها وزن داخل الساحة العراقية. الاستثناء الوحيد هو التنظيم الشيعي الذي يطلق عليه «المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق».. وهو تنظيم يتصدر الآن معارضة جماهيرية متنامية يوميا تطالب بالانسحاب الفوري للقوات الأميركية. نستنتج من ذلك ان ادارة بوش أصبحت على قناعة بأن اقامة نظام ديمقراطي حقيقي في العراق لن يفرز الا حكومة وطنية معادية للسيطرة الأميركية. واذا افترضنا صحة هذه القناعة فان الولايات المتحدة لن تصفي احتلالها للعراق في اي مستقبل مرئي. ومن ثم فان الساحة السياسية العراقية مرشحة لمقاومة وطنية مسلحة.