الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 بعد أن سكتت أصوات المدافع والتفجيرات وأزيز الطائرات في سماء العراق وأصبح الاحتلال الأميركي البريطاني أمرا واقعا يتشكل الآن على أرض العراق واقع جديد يتجاذبه طرفان: الطرف الأول الرغبة الأميركية في تشكيل عراق جديد وفق المخطط الأميركي عراق موال لأميركا خاضع تماما اجتماعيا وسياسيا وعسكريا وثقافيا وهو ما تسعى أميركا إلى تحقيقه في الفترة الانتقالية التي تتضارب الأقوال حول مدتها والطرف الثاني الشارع العراقي الذي بدأ يستوعب ما يدور حوله ويحاول أن يعيد الحياة إلى طبيعتها بعد الدمار والخراب الذي خلفته ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل على المدن والعاصمة العراقية قضت تماما على البنية التحتية وعلى رأسها الماء والكهرباء وغيرهما من الأمور التي تمس حياة الناس اليومية فبدأت تتشكل في العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية إدارات مدنية من العراقيين المتطوعين لتيسير شئون الحياة اليومية ومواجهة ما يمكن من مشكلات قدر المستطاع للتخفيف على الناس وقد أعلن الحاكم العسكري الأميركي غارنر الذي وصل إلى بغداد في أول تصريح له أنه لن يعترف بالإدارة المدنية الجديدة في بغداد وهو يعكس أن الاحتلال الأميركي يريد أن يخضع كل شيء منذ البداية لهيمنته وسطوته وعلى الجهة المقابلة رد محمد الزبيدي رئيس الإدارة المدنية في بغداد أنه مواطن عراقي وليس حاكما وأن القيادات العراقية في بغداد هي التي اختارته وهي صاحبة الحق وليس لأحد آخر حق التدخل في عمل تلك اللجنة هذا الصراع له مدلولاته حيث يصر كل طرف على تثبيت مكانته في الواقع والأيام القليلة المقبلة ستحسم هذا الصراع لأحد الطرفين طبقا للواقع الجديد الذي تتشكل ملامحه الآن بقوة فترى هل سيحسم الأمر لصالح الطرف الأميركي؟ أم سينجح الشعب العراقي في تثبيت أركان تلك الإدارات المدنية وتطويرها بحيث يكون العراقيون هم أصحاب الشأن في تسيير شئونهم الداخلية طبقا لحاجتهم الواقعية؟ والسؤال الأهم والأخطر الذي يجب أن يطرح نفسه هل سينجح العراقيون في الحفاظ على وحدتهم في مواجهة قوى الاحتلال أم سينجح الاحتلال في خلق واقع جديد يلعب على الاختلافات الطائفية والعرقية والدينية للشعب العراقي؟ هذه الأسئلة وغيرها لابد من التفكير فيها والاقتراب منها حتى يمكن فهم طبيعة المرحلة المقبلة في العراق ما يترتب عليها من تداعيات عربية ودولية. و يجب أن نذكر بمجموعة ملاحظات مهمة لعلها تساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة: أولا: أعلنت أميركا قبل الحرب وفي أثنائها أنها ستقسم العراق خلال المرحلة الانتقالية إلى ثلاث مناطق في الجنوب والشمال وفي بغداد ـ يخشى أن تكون هذه المناطق نواة لثلاث دول داخل العراق وهو ما يتردد منذ أمد طويل عن نوايا أميركا لتقسيم العراق..! ـ وهذه المناطق الثلاث ستكون تحت إدارة عسكرية أميركية برئاسة الجنرال المتقاعد غارنر وسيساعده بعض الدبلوماسيين الأميركيين المتقاعدين وأنها ستكون مرحلة مؤقتة ما بين ستة أشهر وعامين حتى يتم اختيار حكومة ديمقراطية عراقية تعبر عن العراق الحر ولكن في الأيام الأخيرة بدأت تتضح نوايا أميركا بأنها تهدف إلى احتلال حقيقي طويل المدى للعراق فصرح بعض المسئولين أن القوات الأميركية ستمكث في العراق خمس سنوات كما بدأت تتسرب بعض الأخبار عن نية أميركا في إقامة قواعد عسكرية دائمة داخل الأراضي العراقية وإن حاول وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أن ينفي ذلك حينما سئل عن ذلك فقال لدينا قواعد كثيرة في المنطقة في دول صديقة ولسنا بحاجة لمزيد من القواعد حتى نقيم قواعد داخل الأراضي العراقية. ثانيا: تصريح جلال الطلباني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني بأن بقاء القوات الأميركية داخل العراق ضروري وإعلان الأكراد رغبتهم بجعل كركوك عاصمة لهم يؤكد رغبة الأكراد في تحقيق حلمهم القديم بإقامة دولة لهم تضم شمال العراق وبعض المناطق من تركيا وهو ما أحدث رد فعل سريعاً في تركيا التي تراقب تطورات الوضع في العراق بقلق بالغ وأعلنت رفضها لدخول قوات البشماركة الكردية للموصل وكركوك وهددت بدخول قواتها شمال العراق لولا تعهد أميركا بخروج الأكراد من الموصل وكركوك كما أعلنت تركيا عن حقها في بترول مدينة كركوك العراقية الغنية بالنفط فجندت جميع المواطنين الأتراك تحسبا لما يستجد من أحداث على الساحة العراقية وخصوصا في الشمال أماكن تمركز الأكراد وربما لهذا السبب قررت تركيا إرسال قوات لحفظ الأمن إلى الأراضي العراقية. ثالثا: تصريح أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي المعارض بضرورة بقاء القوات الأميركية في العراق وأحمد الجلبي المحكوم عليه بالسجن في الأردن لمدة عشرين عاما بتهمة نهب نصف مليار دولار من مصرف الرافدين وقد قال الصحفي المخضرم جهاد الخازن في عموده اليومي بجريدة «الحياة» ذات مرة أن الملك حسين ملك الأردن عفى قبل موته عن جميع معارضيه إلا أحمد جلبي الذي تخطط الإدارة الأميركية وخصوصا صقور البنتاغون لتنصيبه رئيسا للعراق بعد انتهاء عمل الحكومة الانتقالية ليكون قرضاي العراق ورجل أميركا في بغداد. رابعا: يقظة الشارع العراقي ورفضه للعدوان الأميركي منذ أول يوم وتنديده في مظاهرات عارمة يوميا بالاحتلال الأميركي والتأكيد على وحدة العراق يؤكد وعي المواطن العراقي ورجل الشارع البسيط لما يحاك ضدهم من قبل قوات الاحتلال وقد عبر الكثيرون منهم عن هذا الرفض على شاشات التلفزيون وتهكمهم بقول الاحتلال بأن هدفهم تحرير العراق وقد ظهر هذا الوعي في تصدي هذه الجماهير للمخربين والعابثين الذين قاموا بعمليات السطو المسلح والتدمير والحرق للمنشآت والوزارات والجامعات والمتاحف تحت سمع وبصر ومساندة قوات الاحتلال فأعادوا كثيرا من المسروقات ووضعت في المساجد كأمانات حتى يتعرف عليها أصحابها أو توضع في أماكنها التي سرقت منها لدرجة أن بعض هؤلاء المواطنين لقوا حتفهم في دفاعهم عن سرقة محلاتهم وأملاكهم خصوصا في الأيام الأولى لسقوط بغداد . خامساً: وعي النخبة المثقفة في العراق للمخطط الأميركي فسارع الكثيرون منهم بالعودة إلى العراق وأعلنوا عن مؤسساتهم سواء كانت أحزاباً ممنوعة كالحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة العراقي أو جمعيات ثقافية كالجمعية الوطنية للمثقفين العراقيين الذي اعتقلت قوات الاحتلال رئيسها مما يعني محاولة الشعب العراقي سد الفراغ الذي نتج عن سقوط نظام صدام وحزب البعث حتى لا يتركوا فرصة لقوات الاحتلال فتشكل الوضع كما تشاء حسب ما تريد أو وقف ما يحقق أهدافها في العراق. سادسا: ائتلاف علماء الدين من الشيعة والسنة وقد أعلن عن ذلك الشيخ أحمد الكبيسي رئيس جبهة العلماء العراقية الذي سارع بالعودة إلى العراق بعد غياب طويل دام أكثر من خمس سنوات وأم الناس بالصلاة في مسجد أبو حنيفة الذي تعرض للقصف أثناء الحرب فأصيبت مئذنته وأثنى على الشيعة ونبه أن السنة والشيعة جميعا مسلمون يؤمنون بإله واحد ونبي واحد ويصلون لقبلة واحدة وأن ما بينهم من خلاف كالخلاف بين المذاهب داخل المذهب السني أو المذهب الشيعي وندد الشيخ الكبيسي بالاحتلال وطالب القوات الموجودة على الأرض العراقية بسرعة الخروج وإلا واجهت مقاومة عنيفة من الشعب العراقي وقد خرجت بعد الصلاة مظاهرة جمعت أكثر من مئة ألف مواطن ينددون بالاحتلال ويؤكدون على تماسك الصف العراقي ووحدة أراضيه كما عقد علماء الشيعة والسنة الاجتماعات المتعددة للتأكيد على ضرورة وحدة الصف العراقي وطالبوا بضرورة خروج القوات المحتلة من العراق. هذا الصراع بين الرؤية الأميركية والإرادة الشعبية العراقية هو الذي سيحدد شكل وطبيعة الحكم في العراق في المرحلة المقبلة فإذا نجحت الإدارة الأميركية في تطبيق خطتها وحلمها القديم بتقسيم العراق واستغلال التنوع الديني والطائفي والإثني داخل العراق كما هو دأب الاحتلال دائما حسب القول «فرق تسد» حتى يتم لها السيطرة على مقومات الشعب العراقي وخصوصا النفط العراقي الذي تخطط الإدارة الأميركية أن يكون تحت سيطرتها حتى عام 2060م حتى يوفي ديون الحرب وتكاليف إعادة الإعمار التي تقدر بحوالي 400 مليار دولار كما تسعى لإعادة صياغة المناهج التعليمية حتى تنشأ الأجيال الجديدة على فكر أكثر انفتاحا وقبولا للآخر وخصوصا الآخر الصهيوني. وإذا نجحت الإرادة الشعبية العراقية في التعبير عن نفسها وفي مقاومة الخطط الأميركية ومقاومة الاحتلال وأتباعه وعدم الخضوع له والتماسك الداخلي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا فإنهم سوف يفسدون خطط الإدارة الأميركية في تقسيم العراق والسيطرة على مقوماته ونهب ثروته البترولية كما سوف يفسدون الخطة الأميركية في إعادة تشكيل المنطقة حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية والعسكرية بتحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات وقد عبر عن ذلك حاخامات إسرائيل بقولهم بعد سقوط بغداد أن العراق جزء من إسرائيل الكبرى وأن الجنرال المتقاعد جي غارنر ذي الميول الصهيونية الذي سيرأس الحكومة الانتقالية في العراق والذي حظي بتأييد حكومة إسرائيل ورئيسها شارون سيسعى لتهيئة الأوضاع لتحقيق هذا الهدف. وما الصراع الخفي وحرب التصريحات الذي بدأ بين غارنر منذ وصوله إلى بغداد وبين محمد الزبيدي رئيس الإدارة المدنية في العراق إلا صورة مصغرة لهذا الصراع الأكبر بين الرغبة الأميركية والإرادة الجماعية العراقية وهو ما سيحسم في الأيام القليلة المقبلة. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات