الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 بين من يقول بأن العصر الأميركي في العراق قد بدأ مع ترحيل حكومة أو نظام الرئيس صدام حسين وحزب البعث، ومن يقول بأن ذلك يعني بداية نهاية الامبراطورية الأميركية، ثمة من يهمه تسجيل بعد آخر أكثر أهمية للحدث، وهو ان حقبة جديدة في العراق قد بدأت سيكون فيها للحركة الدينية دور بارز في رسم مستقبل الدولة العراقية. الذين غاصوا عميقاً في تاريخ الحركات التحررية العراقية الحديثة ابتداء من ثورة 1920م والتي لعب في حينها الحركة الدينية بعامة دوراً مهماً، يؤكدون بأن الشيعة هذه المرة لن يتركوا الفرصة تضيع منهم كما ضاعت بعد ثورة العشرين (1920) فيتم تشكيل الدولة العراقية من جديد بعيداً عن ارادتهم. واذا كان صحيحاً ان التغيير هذه المرة جاء اصلا على يد قوة احتلال اجنبية وليس على ايدي العراقيين انفسهم، إلا أن الأميركيين وهم يفككون قواعد النظام السابق انما يخرجون بأيديهم «المارد الشيعي» من القمقم الذي دفنه فيه نظام صدام حسين على مدى 35 عاماً بل وسيكونون من الآن فصاعداً المسئولين ايضا عن احتمالات قيام أو تبلور «أصولية اسلامية سنية» اذا جاز التعبير انطلاقا من العراق تكون اكثر حيوية وقابلية على مقارعتهم من «الاصولية التقليدية» التي واجهوها حتى الآن. لا يختلف اثنان في العراق على ان صعود نظام صدام حسين ـ «المرحل» اميركيا بدعم بريطاني ـ الى هرم السلطة في الدولة العراقية لم يكن ممكناً من دون مبادرة بريطانية مدعمة باسناد اميركي في حينه. وأيا تكن صحة هذه المقولة الشعبية والنخبوية العراقية على حد سواء ألا أن القدر المتيقن والذي لمسه العراقيون بلحمهم ودمهم هو أن 35 عاماً من حكم صدام حسين انما كان يخدم المصالح الأميركية البريطانية بصورة أو بأخرى. كل ما هنالك هو ان ستالينية صدام حسين كانت قد بدأت تزعج خاطر «الحلفاء» وتجرح بعض مشاعرهم! في وقت اضحوا فيه بأمس الحاجة الى الترويج للبديل «الديمقراطي»! بسبب حاجتهم الماسة والملحة لتحريك اقتصادهم الراكد من جهة والدفاع عن حليفتهم الاستراتيجية والاساسية المزروعة في وسط بحر العرب ـ اسرائيل ـ من جهة اخرى. هذا الصعود الأميركي «الديمقراطي» الاجباري في السياسة الخارجية هو الذي من شأنه ان يفتح الباب واسعاً امام حركة دينية متجددة في العراق سنية وشيعية كانت مكبوتة اميركيا بالاصالة وعراقيا بالوكالة التي كان يتمتع بها نظام صدام حسين بكفاءة عالية. ويسجل العراقيون خطبة جمعة مسجد الامام ابوحنيفة النعمان في بغداد وتجمع اربعينية الامام الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء بمثابة منعطف الحقبة الجديدة. الذي لخص المسافة الزمنية والمكانية بين المناسبتين والتوجهين والامامين والتحركين هو الشعار الذي تردد في بغداد كما في كربلاء والذي يبدو انه سيكون شعار المرحلة السياسية القادمة في العراق الا وهو: «هذا العراق ما نبيعه لاسنة ولا شيعة». صحيح ان الاشهر المقبلة قد تكون هادئة بعض الشيء على الأميركيين بسبب انشغال العراقيين بلملمة جراحاتهم التي لاتزال تدمي قلوبهم وأجسامهم بسبب اميركا وصدام على السواء، لكنه سرعان ما ستنقشع الغمامة التي عادة ما تكون مواكبة لمثل هذه الاحداث الكبرى، وعندها سينطبق المثل الشهير على العراقيين كما انطبق من قبل على اللبنانيين وعلى كثير غيرهم من الشعوب التي تعرضت للاحتلال: «راحت السكرة وجاءت الفكرة» وعندها سيواجه الأميركيون واحدة من اصعب اشكال المقاومة الدينية ذات «المزاج الشيعي» وليس مهماً في حالة العراق ان تكون مسلحة او غير مسلحة لكن المهم هي انها ستكون هذه المرة مصممة على انتزاع قرارها وارادتها في تشكيل عراق حديث جديد بالتأكيد لن يكون على طريقة تشكيله بعد ثورة 1920م. ثمة من سيقول بأن تناقضات عديدة قد تنشأ مع مرور الايام ايضا بين جماعات التوجه «الديمقراطي الليبرالي» وجماعات التوجه «الديني الاصولي» في صفوف العراقيين وان ذلك من شأنه ان يجعل اصحاب التوجه الليبرالي اكثر قدرة على الامساك بزمام امور بناء العراق الجديد في ظل الوجود الأميركي المباشر وبالتالي اضعاف اتجاهات «الحوزة الدينية» وعليه قد يتكرر مشهد عراق ما بعد 1920م، لكن هؤلاء يغيب عنهم بأن مايحصل اليوم في العراق انما يأتي في السياق التاريخي بعد ثورة ايران الدينية 1979م، وانتفاضة جنوب لبنان التحريرية عام 2000م، وبالتالي من الصعب بمكان الحديث عن «عراق أميركي» أو «عصر اميركي» في العراق على الاقل لفترة طويلة، أو لفترة قصيرة ربما، حتى يستعيد العراقيون انفاسهم و«يفيقوا» من هول الفاجعة التي عاشوها على امتداد عهد صدام حسين أولاً، ومن ثم يعدوا العدة للتعامل مع الأميركي بوجهه الجيد. اخيراً وليس آخراً فثمة من يقول ان هذا هو ديدن العراقيين منذ فاجعة كربلاء التي حلت بهم بعد خمسين سنة من الهجرة النبوية، فهل وطن الأميركيون انفسهم على التعامل مع من شعاره منذ ذلك اليوم: «كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء». ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني