الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 ربما كان الأفضل أن يسبق اجتماع الرياض بين الدول المجاورة للعراق، اجتماع للجامعة العربية ولو على مستوى وزراء الخارجية للخروج بموقف عربي واحد يكون أساس اللقاء مع ايران وتركيا. ولكن يبدو أن عجز النظام العربي عن منع الحرب المشئومة على العراق، مازال يتفاعل ليمنع بلورة هذا الموقف، وهو أمر أصبح مثيراً للمخاوف، ودافعا لتحركات عربية لعل أبرزها جولة الرئيس المصري مبارك في الأسبوع الماضي. ومع ذلك فقد كان انعقاد اجتماع الرياض أمرا هاما وايجابيا، وكان حضور البحرين باعتبارها رئيسة الدورة الحالية للجامعة العربية عاملين أكدا الحرص العربي على التمسك بما تبقى من النظام العربي ومحاولة تفعيله حتى لا تكون الاهتمامات الإقليمية على حسابه بل اضافة اليه. وهي نقطة نرجوا أن تكون في الاعتبار على الدوام، حين يكون المطروح أميركيا هو هدم النظام العربي واقامة نظام بديل يضم دول المنطقة، وتكون اسرائيل ركنا أساسيا فيه. اجتماع الرياض عكس القلق المشروع لدول الجوار ماجرى ومايجري في العراق بعد الاحتلال الأميركي البريطاني. فإيران تدرك أنها اصبحت بين فكي كماشة بالوجود العسكري الأميركي في العراق وافغانستان والسيطرة الكاملة على مياه الخليج وسط تهديدات اميركية لا تتوقف بأنها قد تكون الهدف التالي بعد العراق. وتركيا ـ رغم كل التطمينات الاميركية ـ تدرك حجم الخطر الذي يمثله الطموح الكردي في شمال العراق على وحدتها الوطنية، بالاضافة الى الخلل الاستراتيجي الذي يمثله الاحتلال الأميركي للعراق، والمخاوف من مخططات أميركية للمنطقة لابد أن تكون تركيا لاعبا أساسيا فيها في اطار علاقة مع اسرائيل تريد واشنطن ان تكون أداتها الرئيسية في المنطقة، وتخشى تركيا من عواقبها في الداخل أو مع العالمين العربي والاسلامي. أما الدول العربية فهمها أكبر من احتلال لدولة رئيسية في النظام العربي، ومع اعلان أميركا أنها جاءت لتبقى، ومع تأكيداتها بأن احتلال العراق هو البداية لعملية تغيير واسعة في العالم العربي تستهدف كل شئ.. السياسة والاقتصاد ونظم الحكم والثقافة وحتى مناهج الدراسة في المدارس والجامعات! مخاوف اقليمية وقد عكست قرارات اجتماع الرياض جزءا كبيرا من هذه المخاوف حيث دعت الى العمل من أجل عراق موحد، والى سرعة خروج قوات الاحتلال من أراضيه، والحرص على قيام حكومة عراقية شرعية جديدة تمثل كل فئات الشعب مع التأكيد على دور مركزي للأمم المتحدة في التعامل مع أوضاع عراق مابعد الحرب. ولم يكن ممكنا أن يتجاهل الاجتماع التهديدات الأميركية لسوريا، فكان التأكيد على التضامن معها والدعوة لحل الخلافات بينها وبين الولايات المتحدة بالحوار. ولا غبار على بيان اجتماع الرياض ولا مشكلة في القرارات التي صدرت، ولكن المشكلة في القرارات التي لم تصدر! ولعل ذلك يفسر سبب عدم انعقاد اجتماع عربي جماعي على مستوى عال لبحث الموقف منذ بدء عملية الغزو الأميركي حتى الآن. فرغم كل مايصدر من بيانات فردية، ومايتم من مشاورات ثنائية، فمازال الموقف العربي الموحد ممايجري غائبا.. وهذا هو مكمن الخطر الذي لا ينبغي تجاهله. لقد فاتت فرصة منع هذه الحرب المشئومة، ولو اتفق العرب على موقف واحد لاستطاعوا ذلك بكل تأكيد.. خاصة في ظل موقف أوروبي وعالمي يعارض الحرب ويرفض الهيمنة الأميركية والرغبة المهووسة لليمين الأميركي الحاكم في اخضاع العالم بالقوة. التحدي الأكبر فاتت الفرصة، والنتيجة أن العراق الآن تحت الاحتلال الأميركي، يحكمه جنرال متقاعد صهيوني، ويجري فيه ـ بتخطيط أميركي ـ إطلاق كل الخلافات العرقية والدينية تمهيدا لتمزيق العراق واغراقه في بحر من الدم ينتهي بتقسيم العراق تمهيدا لتفكيك الوطن العربي كله الى وحدات طائفية يجري ضمها بعد ذلك في شرق أوسط جديد تكون فيه اسرائيل هي القوة الرئيسية في خدمة السيد الاميركي المهيمن على المنطقة وثرواتها. وهذا هو التحدي الأكبر المطروح على العرب الآن: كيف يتم التعامل مع عراق محتل، تعلن قوة الاحتلال فيه أنها ستبقى لسنوات، وأنها لن ترحل قبل أن تقيم على أرضه الديمقراطية بالشروط الأميركية.. بينما التخطيط الحقيقي يستهدف هيمنة على البترول العراقي للأبد، ووجود عسكري دائم بالاحتلال الكامل أو بالقواعد العسكرية، وحكم أميركي مباشر لسنوات يعقبه حكم عميل يتحالف مع اسرائيل، ويكون اداة في يد أميركا للتدخل في باقي الدول العربية (بدءا من سوريا وانتهاء بمصر والسودان) تنفيذا للخريطة الجديدة للمنطقة التي تحقق المصالح الأميركية وحدها. والموقف في المرحلة الأولى حين يحكم الاستعمار الاميركي العراق حكما مباشرا واضح ومفهوم، حيث لن يمنح العرب ولا العالم للحكم الاستعماري أي مشروعية، ولن يسعى هو من جانبه اليها مكتفيا «بشرعية!» الوجود العسكري وماتمنحه له من أوراق. ولكن الموقف بعد ذلك سيكون مثيرا للجدل، حين تستعين الولايات المتحدة بعملائها من الأميركيين العراقيين لتشكل منهم حكومة «انتقالية» تتولى تصريف الأمور الادارية مع بقاء سلطة الحكم في ايدي جنرالات أميركا. هنا ستحاول الولايات المتحدة الحصول على الشرعية لهذه الحكومة، وستستخدم كل الضغوط في هذا الشأن. والموقف من هذه «الحكومة الدمية» سيكون حاسما في تحديد مستقبل العراق. وللأسف فليس هناك موقف عربي موحد من هذه القضية المركزية، بل وبدأ الانقسام حولها يهدد بأسوأ النتائج. فمثل هذه «الحكومة الدمية» التي أعلنت مختلف فصائل العمل الوطني العراقي رفضها لها تجد الآن أطرافا عربية بدأت في الترويج لها تحت زعم ان الاعتراف العربي بها سوف يضمن للعرب أن يكون لهم دور في تقرير مستقبل العراق بدلا من أن يتم ذلك في غيبتهم! وأيضا مع تساؤل مريب عن الفرق بين مثل هذه الحكومة في ظل الاحتلال الاميركي وحكومة أبومازن في ظل الاحتلال الاسرائيلي؟! وحكاية «أن يكون لنا دور» سبق استخدامها في الدعوة لمشاركة الدول العربية في الغزو الأميركي للعراق لأن قطار الحرب قد انطلق ولن نستطيع ايقافه، والأجدى هو أن نلحق بالقطار، ونشارك في الغزو، وتناول جزءا من «الكعكة» العراقية.. وهو قول حاولت واشنطن وأعوانها الترويج له، وكان الفشل الذريع هو نصيب المحاولة المكشوفة لاضفاء الشرعية الغائبة على هذه الحرب العدوانية التي رفض العرب المشاركة فيها، ورفضت كل القوى الفاعلة في العالم، واضطرت اميركا وبريطانيا الى دخولها في «تحالف وهمي» مع استراليا وجمهورية ميكرونيزيا العظمى!! نموذج مرفوض أما تشبيه الحكومة العميلة في العراق بحكومة أبومازن ـ وقبلها حكومة ـ أبوعمار ـ في فلسطين فهي الإفك بعينه. فنحن في فلسطين مع حركة مقاومة وطنية تخوض معركة الاستقلال، واستطاعت ـ بدماء الشهداء ـ أن تفرض إرادتها. وهي لا تنال شرعيتها من احتلال تقاومه، وإنما من شعب يقاتل من أجل الاستقلال، ومن عالم يعترف بحقوق هذا الشعب الذي يواجه حرب إبادة تشنها اسرائيل بدعم أميركا ومساندتها. أين هذا من حكومة يفرضها الاحتلال الأميركي على شعب العراق ـ ويظل فيها الجنرال الصهيوني جارنر هو الحاكم الحقيقي للقطر العربي الشقيق ـ وتكون مهمة الحكومة العميلة هي محاولة اضفاء الشرعية على احتلال يفتقد الشرعية، وعلى صفقات غير قانونية لنهب بترول العراق وسلب ثرواته في عمليات «تعمير» بمليارات الدولارات تتولاها الشركات الأميركية بعد عمليات «تدمير» أدتها بكفاءة جيوش التحالف الأميركي ـ البريطاني. لقد حاولت اسرائيل بعد حرب 67 أن تفرض نفس النموذج في الضفة والقطاع، ولكنها فشلت على مدى ربع قرن في الحصول على ماتريده، حتى كانت اتفاقات أوسلو بكل ايجابياتها وسلبياتها والتي جاءت بالسلطة الفلسطينية الشرعية الى قلب الوطن. فكيف نشبه هذه الحكومة ـ رغم كل مآخذنا عليها وعلى نهج أوسلو بأكمله ـ بحكومة عملاء يتم فرضها على شعب العراق، ثم يحاولون اضفاء الشرعية العربية والدولية عليها، لتحتل كرسي العراق في المنظمات الدولية.. والأهم من ذلك في الجامعة العربية. ان السير في هذا النهج لا يعني فقط خيانة نضال الشعب العراقي من أجل استرداد حريته وانهاء الاحتلال الاميركي لأرضه باضفاء الشرعية العربية على هذا الاحتلال. ولكنه ايضا يفتح الباب لتدمير النظام العربي (أو ماتبقى منه) فجلوس الجنرال الصهيوني جارنر أو من يمثله من العملاء في مقعد العراق في أي قمة عربية قادمة لن يكون لها معنى الا اسدال الستار على العمل العربي المشترك، ومنح الموافقة العربية على تكرار ماحدث بالعراق في دول عربية أخرى، وتحقيق الحلم الأميركي والإسرائيلي في اقامة نظام جديد للمنطقة يضم الولايات العربية بعد تفكيك الدول العربية واعادة هيكلتها وفقا للمصالح الأميركية، ولتكون الهيمنة الكاملة لأميركا والسيطرة للدول غير العربية من اسرائيل الى تركيا الى العراق الذي يراد له ألا يكون عربيا بعد اليوم. إن الخروج العربي من حالة الصدمة التي أعقبت احتلال العراق أمر ضروري وعاجل، كما أن الصمود في وجه حملات الترويع التي تهدد الدول العربية (من سوريا الى السعودية الى مصر) هو شرط لعبور المحنة بأقل الأضرار. خطورة الموقف ومهما اختلفت رؤية الاطراف العربية من العدوان الاميركي على العراق، فإن خطورة الموقف تستدعي البناء على الحد الأدنى الذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر الرياض من أجل بلورة سياسة عربية لانهاء الاحتلال الاميركي للعراق تستند الى ركيزتين أساسيتين. أولا: الإصرار على عدم منح الشرعية العربية للاحتلال الاميركي للعراق ولا للنتائج المترتبة عليه، ورفض التعامل مع أي حكومة عميلة لا تمثل الخيار الحر للشعب العراقي، ورفض الاعتراف بأي مركز قانوني للإدارة الاميركية التي تمثل الاستعمار الجديد للعراق. ثانيا: بذل كل الجهود من اجل اقامة الجبهة الوطنية العراقية القادرة على تمثيل الشعب العراقي بقواه السياسية المختلفة في هذه المرحلة الدقيقة، لتكون هي الطرف الذي ينال دعم ومساندة واعتراف الدول العربية لتأمين الانهاء الفوري للاحتلال الأميركي وضمان العبور بفترة انتقالية تقوم فيه الحكومة الممثلة لهذه الجبهة الوطنية بقيادة العراق الى بر الأمان. والمهمة ليست سهلة في ظل تعقيدات الموقف في العراق، ومع الاصرار الاميركي على ان قواته العسكرية جاءت لتبقى وتحكم وتتحكم. ولكن وعي الشعب العراقي قادر على تجاوز المحنة، واصرار كل القوى الوطنية في العراق على رفض الاحتلال يمنح التحرك العربي المطلوب كل امكانيات النجاح إذا ارتفعت أطراف النظام العربي الى مستوى المسئولية في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ الأمة، واذا ادركت انه ليس هناك من بديل إذا أرادت ان توقف هوس القوة عند الولايات المتحدة، وأن تسد الطريق على نظرية «الدومينو» التي يبشر بها اليمين المتعصب في الإدارة الاميركية، والتي ترى ان سقوط النظام العراقي هو المقدمة لاسقاط باقي الأنظمة العربية. إننا نأمل أن يكون هذا الموقف هو الدافع لقبول واشنطن بإنهاء احتلالها غير الشرعي لأرض العراق. وبدون ذلك فإنها تسوق المنطقة الى موقف ينبغي على العرب أن يستعدوا له وأن يضعوا كل السيناريوهات اللازمة للتعامل معه. وهو الموقف الذي تصر فيه الولايات المتحدة على استمرار احتلال العراق، وتندلع فيه حركة المقاومة المشروعة من الشعب العراقي ضد الوجود العسكري الاميركي غير المشروع على أرضه. إن كل الادعاءات الزائفة حول بناء الديمقراطية الاميركية تسقط مع الحقيقة الأساسية وهي الاحتلال غير المشروع الذي يستدعي المقاومة المشروعة لتبدأ الحرب الحقيقية لـ «تحرير العراق». إنها عبرة التاريخ التي مازلنا نرجو أن تستوعبها واشنطن قبل فوات الآوان. وأن يستعد لها العرب قبل أن تداهمهم الأحداث. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية