الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 طارق عزيز لم يكن المسيحي الوحيد المنتمي لحزب البعث في العراق. كذلك لم يكن طوبيا ميخائيل يوحنا ـ اسمه الحقيقي ـ العراقي الوحيد الذي تخرج بشهادة جامعية في اللغة الانجليزية. من هنا تتسم بالابتسار محاولة تبرير صعود نجم عزيز في فضاء صدام بانتمائه الحزبي وطلاقته الانجليزية فقط. ساجدة خير الله طلفاح لم تملأ يدها ثقة بوضع سيدة العراق الأولى. قرينة صدام حسين وابنة خاله كانت على يقين بأن أكثر من امرأة تزاحمها في قلب الرئيس. العراقيون يعرفون إمرأة ـ واحدة على الأقل ـ نازعت ساجدة وضع السيدة الأولى. طارق عزيز كان يرفل ثقة بأنه ما من أحد ينازعه وضع المسيحي الأول في العراق. محور هذه الثقة علاقة حميمة ارتضاها صدام وعزيز عظمها التواطؤ على الرفاق وعلى الحزب ومختزلها «نكتة» متداولة مفادها ان الرئيس سأل عزيز «كم الساعة الآن» فرد المسيحي الفصيح دون النظر في ساعته «كما تشاء يا سيدي كل الأوقات لك». طارق عزيز أنموذج للمثقفين العرب الذين كرسوا ثقافتهم ومهاراتهم من أجل ظاهرة «أنصاف الآلهة» الأصنام التي استفحلت منذ ستينيات القرن الفائت. الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر لم يكن يحتمل طارق عزيز، وكان يعتبره مشروع جاسوس جاهزاً إن لم يكن بالفعل هو كذلك. في ظل ذلك النفور تدحرجت العلاقة بين صدام وعزيز دون أن يبرأ الرجل المسيحي من شبهة الجاسوسية الى حين استسلامه للقوات الأميركية. العلاقة الحميمة بين صدام وعزيز قائمة على زواج مصالح غير مشروع، إذ تآمرت على الرفاق وعلى الحزب وضد أبناء الطائفة وليست لكل العشيرة أو جميع أفراد العائلة. ربما وجد صدام في عزيز لساناً فصيحاً موهوباً يحذق مهارة الدفاع عن سياسة لا يساهم في صناعتها. غير ان الرئيس العراقي وجد أكثر من بعد آخر في شخصية عزيز. بينما لا يشكل المسيحيون أكثر من 6% من العراقيين فإن طارق عزيز أصبح الوجه العراقي الأكثر تداولاً في المحافل الغربية، وهو بهذا يروج تسامح النظام وتعدديته وكلاهما أكذوبة. في المقابل أدرك عزيز ان شبقه للسلطة يصطدم بسقف طائفي لا يمكن أن يخترقه ومن ثم فإنه نذر كل مواهبه للعمل من أجل الرئيس تحت هذا السقف. كذلك كان صدام يدرك ان عزيز مدرك لهذه الحقيقة العراقية. في الواقع كان طارق عزيز يدرك ملياً أسرار اللعبة في نظام صدام حسين، فأدى دوره بتفوق دون أن يحاول تجاوز قامته. رجل له تجربة بطول امتداد عمل طارق عزيز لابد وأنه يعلم خطورة مغامرة التوغل في الأرض الكويتية أو البقاء عليها، لكن لقاء جنيف الذي جمعه مع جيمس بيكر عشية حرب الخليج الثانية أثبت ان الرجل العراقي لم يكن أكثر من ناقل رسالة من رئيسه، لذلك رفض ـ في غباء ـ استلام الرسالة الأميركية في صلف نابع من شخصية صدام ولا يشبه شيئاً من نسيج طارق عزيز، الوزير اللامع كان يتمثّل الرئيس حتى في حرصه على الظهور بالسيجار الكوبي الفاخر. من بين كل رجال الرئيس قال عزيز علناً قبيل حرب الخليج الثالثة «الحرب أصبحت حتمية والمعجزة وحدها تمنع وقوعها». رغم ذلك انساق عزيز مع التيار الانتحاري ومارس التصريحات العنترية قائلاً «أُفضل الموت على الاستسلام». لم تحدث معجزة تحول دون الحرب وفضّل عزيز الاستسلام على الموت. قبيل الحرب وإبّانها لاحقت عزيز الاتهامات بالجاسوسية. في الطريق الى الحرب أثبت ناجي صبري قدرة جيل جديد على الفصاحة الدبلوماسية والاعتدال المطلوب غربياً، فبهت نجم عزيز. إبان الحرب كشف الصحاف عن طلاقة انجليزية تتسم بمرح جاذب يقلل من الاعتماد على عزيز. ناجي صبري صعد الى رأس الدبلوماسية استناداً الى خلاف بين قصي وعزيز، إذ كان الفتى الرئيس المرتقب يؤهل طاقم رجاله. عند استسلامه طارت اشاعات عن شروط حددها عزيز مقابل الاستسلام. الغالب ان عزيز كان يساوم على حريته مقابل معلومات عن الرئيس الذي كان في خدمته. طارق عزيز يدرك بتجربته في نظام شمولي متى يناور وكيف يساوم. عزيز يعلم ان اللعبة قد انتهت. طارق عزيز يعرف قيمة أن يصبح «شاهد ملك». هو دائماً مستعد لوضع موهبته في خدمة من يدفع أفضل. في محاولة انتقاده الخدمات التي قدمها للجنرال جعفر نميري قال د. منصور خالد على لسان جعفر بخيت «هذا صنم صنعناه بأيدينا ولن يزيله إلا رب العباد». ذلك صنم سوداني سقط كما سقط صدام حسين. طارق عزيز طبعة عراقية لمثقفين عرب ساهموا في صنع أصنام عربية. نظرة عاجلة في عواصم عربية عدة توضح طائفة من عبدة الأصنام السياسية. هل تكون في خاتمة عزيز موعظة لهؤلاء؟ ذلك هو السؤال.