السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 بعد ان استقر الوضع لصالح الاحتلال الاميركي في العراق تواجه ادارة جورج بوش الرئيس الاميركي مأزق اسلحة الدمار الشامل ومفاجأة التيار الديني المتصاعد. فقد بدأت الولايات المتحدة في تغيير خطابها الاعلامي والسياسي فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية التي كانت السبب المعلن للحرب على العراق. وها هو بوش يقول قبل يومين ولأول مرة ان العراق ربما دمر اسلحة الدمار او اخفاها او نقلها الى مكان آخر، وان الولايات المتحدة تبحث اليوم عن الحقيقة في العراق. بعد ان كان يقول بوش قبل الحرب وخلالها ان ادارته متأكدة من أن العراق يمتلك اسلحة محظورة ولابد من الحرب لنزعها. والواضح ان ادارة بوش المنتصرة تريد تجاوز هذه المسألة التي استخدمت مطية للحرب، والانتقال الى تحقيق الاهداف الاهم في حملتها على العراق وهندسة اوضاعه، فبوش يتحول من نزع الاسلحة الى نزع الحقيقة وقتلها وليس البحث عن حقيقة ان العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل التي اثبت مفتشو الأسلحة الجزء الاكبر منها، وهو ما احتاجت اليه القوات الاميركية قبل اعلان الحرب مطمئنة انها لن تتعرض لأية اسلحة دمار شامل خلال معركة الهيمنة على المنطقة. بوش كان يتهم صدام حسين بإخفاء الحقيقة وخداع مفتشي الاسلحة ومواصلة انتاج اسلحة الدمار بعيدا عن اعين المفتشين، والصورة تبدو مقلوبة اليوم، فإدارة بوش ومعها حكومة توني بلير رئيس الوزراء البريطاني تريد جهة مستقلة غير الامم المتحدة للتحقق مما يمكن العثور عليه من اسلحة بعيدا عن اعين المجتمع الدولي، ولذلك يرفض الطرفان عودة مفتشي الاسلحة كما كان يفعل العراق سابقا. دون ان يعلنا عن تلك الجهة المستقلة التي يمكن ان يقبل بها المجتمع الدولي، او ان يقدما تبريرا لرفضهما بدور للمفتشين. ادارة بوش الان تخفي الحقيقة وتخدع المجتمع الدولي مثلما كانت تتهم العراق خوفا من افتضاح الكذبة الكبرى، التي تتكشف يوما بعد يوم، ولذلك حول بوش الهدف المعلن للحملة الى حملة للبحث عن حقيقة تدمير العراق للاسلحة، مخاطبا الوجدان الاميركي الذي صدقه قبل الحرب بأن الحقيقة الواضحة اليوم هي ان صدام حسين لم يعد يهدد الولايات المتحدة. وهي جملة تحمل من الصدق بقدر ما تحمل من التضليل، فصدام لا يهدد اميركا اليوم مثلما لم يهددها من قبل، فقبل سقوط نظامه لم يصدر عن صدام اي تهديد لاميركا او مصالحها، ولم يتبن اسقاط النظام الاميركي، ولم يحشد فرق الحرس الجمهوري امام سواحل الولايات المتحدة، بل انه عرض على ثلاث ادارات اميركية متعاقبة منذ 1990 الدخول في مشاريع مشاركة حتى اتهم بأنه خادم للمصالح الاميركية في المنطقة. وتبدو الولايات المتحدة الان مشغولة عن نزع اسلحة الدمار الشامل غير الموجودة اصلا بنزع التوجهات الدينية من الحياة السياسية العراقية اكثر، وهي مسألة تبدو اكثر بعد ان تجلى المشهد الديني بقوة بعد سقوط نظام صدام ومدى التأييد للقوى الدينية سواء الشيعية او السنية وهشاشة التأييد الذي تحظى به قوى المعارضة التي اتضح انها استثناء من الشعب العراقي. الورطة الاميركية ان ادارة بوش اعلنت انها تريد تشكيل حكومة ديمقراطية في العراق وهو ما قد ينقلب عليها اذا افرزت اية عملية ديمقراطية نزيهة حكومة ذات توجه ديني، ستكون خطورتها على الاحتلال الاميركي اكبر من اسلحة دمار شامل، لذلك ظهرت في تصريحات المسئولين الاميركيين تلميحات بالتراجع عن الديمقراطية النزيهة التي تحدثوا عنها، ابرزها تصريحات دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي بان بلاده ستقبل اية حكومة عراقية ما لم تكن دينية، وتبع ذلك تصريح لمسئول بريطاني قال فيه انه لا بد من «هندسة» حكومة مقبولة بالمقاييس الاميركية والبريطانية، وهو امر مفهوم ان يسعى الاميركيون وحلفاؤهم البريطانيون الى تنصيب حكومة موالية لهم في بغداد، لكن الملفت ان كذبة الديمقراطية تبدو مثل كذبة الاسلحة، والخوف ان يلدغ العراقيون منها مرة ثانية.