السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 بعد سقوط بغداد سدت المساجد جانباً كبيراً من الفراغ الناجم عن اختفاء اجهزة الدولة، وخاصة على المستوى الامني، فصدرت الفتاوى من أئمة المساجد وعلماء الاسلام بتحريم عمليات النهب والسلب ودعت المتورطين الى اعادة هذه الممتلكات. وقد استجاب كثيرون وأعادوا ما وصلت اليه ايديهم، حتى غصت باحات المساجد بالمقتنيات والممتلكات التي كانت منهوبة. وهكذا كانت المساجد هي الحارس لأموال الدولة المنهارة، وهي ايضا الحارس لأخلاق المجتمع انطلاقا من قواعد الحلال والحرام، بعدما عجزت قواعد واجراءات الردع القانوني عن حماية المجتمع في لحظة فاصلة وحرجة انهار فيها الشأن العام لحساب الشأن الخاص. وفي اول صلاة للجمعة عقب سقوط بغداد (18 ابريل) تصدر مسجد الامام ابي حنيفة النعمان بحي الاعظمية ببغداد واجهة الشأن العراقي، فبعد خطبة ألقاها الدكتور احمد الكبيسي رئيس جمعية علماء العراق حفلت بالتأكيد على وحدة العراقيين واعلان رفض الاحتلال الاميركي، خرج مئات الآلاف من العراقيين في مسيرة حاشدة رفعت نفس الشعارات وأكدت نفس المعاني التي جاءت في خطبة الجمعة. وفي مدينة كربلاء وعلى امتداد الساحات المطلة على مسجد الامام الحسين بن علي رضي الله عنه احتشد مليونا عراقي (أيام الاثنين والثلاثاء والاربعاء الماضية) ورددوا هتافات معادية للاحتلال الاميركي واكدوا رفضهم لأي حكومة تتشكل من عملاء اميركا، وذكروا احمد الجلبي بالاسم. كما اكدوا ايضا تمسكهم بوحدة العراق، بل ان نفس الشعارات التي رفعت في كربلاء هي ذاتها التي ارتفعت في سماء بغداد انطلاقا من مسجد ابي حنيفة النعمان. المسجد كان حاضراً برموزه العظيمة (ابي حنيفة النعمان والامام الحسين) ونجح في تأكيد دوره في ظل دولة غابت تحت دبابات الاحتلال الاميركي، وهو ما يؤكد ان المسجد قادر دوما ـ ليس على مستوى العبادات وانما على مستوى التحديات ـ على اداء دوره في حماية الامة وقت المحن والشدائد، وأثبت المسجد ان محاولات بعض النظم والحكومات حصر دوره في اداء الصلوات وقراءة القرآن محاولات فاشلة وان طال بها الزمن، فالمسجد بما يمثله من رموز وأدوار وقيادة عميق الوجود في كيان وضمير الانسان المسلم، ومتصل بكل قضايا المجتمع، واذا كان المسجد هو محور حياة الفرد المسلم فإنه بالضرورة محور حياة المجتمع، وان المسجد ورموزه من العلماء حاضر دوما فيما قد تغيب السلطة، أي سلطة، فاذا كانت سلطة الحاكم مرهونة بمدى زمنى محدد ومحدود، فان السلطة التي يستمد منها المسجد وجوده ودوره هي سلطة ازلية ابدية. ولقد اثبتت كارثة سقوط بغداد ان خوف الحاكم من العالم هو خصم من رصيد هذا الحاكم، بل خصم من عمره وحياته وليس فقط من سلطته. ومنذ الايام الاولى لسقوط بغداد ادرك الاميركيون ان دور المسجد وعلمائه يهدد أحلامهم باحتلال طويل في العراق وهذا ما عبر عنه السيناتور ريتشارد لوجار رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الاميركي، وكذلك السيناتور جوزيف ليبرمان، حيث تخوف الاثنان من تنامي المشاعر الاسلامية في العراق وهو الخوف الذي اكده لاحقاً دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي. ووفق هذا الادراك عمد الاميركيون ـ ولايزالون ـ على خلخلة الالتفاف الشعبي حول علماء الدين وتم ذلك بعدة وسائل: ـ تقوية الشخصيات المؤيدة للاحتلال الاميركي من امثال احمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي يعد الرجل المفضل لدى وزارة الدفاع الاميركية، ومن اجل تمكين الجلبي سهلت القوات الاميركية لرجاله ممن يسمون انفسهم «العراقيون الاحرار» التحكم في المفاتيح الامنية للعاصمة العراقية لخلق سياسة الامر الواقع. ـ تبني مؤتمر المعارضة العراقية في الناصرية والذي ضم في معظمه شخصيات وفصائل مؤيدة للاحتلال الاميركي، وكثير من تلك الفصائل مولتها ودربتها وسلحتها الولايات المتحدة تحسبا لكسب ولائها في هذا المنعطف العراقي. ـ التجمل والاستقواء بالاكراد وهذا ما كشفت عنه تلك الاستقبالات المهيبة والفرحة للجنرال جاي جارنر في السليمانية (الثلاثاء 22 ابريل) واربيل (الاربعاء 23 ابريل). وفي المقابل بدأت القوات الاميركية اساءة معاملة بعض علماء الاسلام العراقيين، ووصل الامر الى حد الاعتقال مثلما جرى مع الشيخ محمد الفرطوسي وآخرين من شيوخ الحوزة العلمية ببغداد، وقد وصف الفرطوسي ما تعرض له بأيدى الاميركيين بأنه اسوأ مما كان يتعرض له العراقيون في ظل نظام صدام حسين، حيث نزع الاميركيون عمامته وداسوها بالاقدام. ولاشك ان هذا الاعتقال وما صاحبه من اساءة معاملة تصل الى حد التعذيب، هي رسالة اميركية لكل علماء الاسلام العراقيين. ووسط هذا المشهد الذي يكاد ينفلت من ايدى الاميركيين فان واشنطن تتطلع بقوة لفرض حفنة من عملائها لحكم العراق، مثلما فعلت في افغانستان، وذلك كي تتمكن من نهب خيراته والسيطرة على بتروله الذي كان وسيظل هدف اميركا الدائم من العراق. وفي الوقت الذي يعيش فيه العراق هذه التفاعلات الضخمة بين فريقين، احدهما عروبي اسلامي يتمسك بعروبة العراق ويرفض الاحتلال، وآخر يعلن رفضه للعراق العربي ويفضل التحالف مع اسرائيل، فإننا كعرب لانزال بعيدين عما يجرى تاركين العراق بأكمله ليعيث الاميركيون فيه إفسادا، فاذا كانت الحكومات العربية متخوفة من التهديدات الاميركية، فان ذلك يجب ألا ينطبق بأي حال على المؤسسات الاسلامية مثل الازهر الشريف وامثاله من المؤسسات السعودية والسورية وغير ذلك من الدول العربية والاسلامية، فليس هناك ما يمنع هذه المؤسسات الاسلامية من الدخول الى العراق للعمل على تقوية دور المؤسسات الاسلامية بها كحصن منيع امام المحتلين الاميركيين، كي لا نجد انفسنا كعرب امام نظام حكم اقامته اميركا في العراق على اسس معادية للعروبة والاسلام، فعملاء اميركا في العراق هم في اكثرهم رافضون لعروبة العراق ومؤيدون للتعاون مع اسرائيل. وليس في العراق الآن من يستطيع افساد هذا المخطط سوى المؤسسات الاسلامية، خاصة بعد تراجع النهج القومي، ولا خوف في ذلك من اي خلافات مذهبية. ومن حقنا ومن واجبنا الا نقف متفرجين وإلا فسوف تهضم اميركا العراق ثم تتحول لابتلاع العرب دولة دولة.