السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 ليس من الغرابة بمكان مطالبة القوى السياسية الفلسطينية، بمن فيهم السلطة الوطنية الفلسطينية، التوقف، عند كل منعطف سياسي يعصف بالمنطقة العربية بخاصة والدولية بعامة، بضرورة إعادة الحسابات السياسية بغية تصويبها، سعياً لمجاراة المتغيرات التي تحدثها تلك المفاجآت العاصفة والخطيرة، والتي بدورها قد تطال الاجندة السياسية لكل البلدان العربية دون استثناء، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي لا تزال تحظى بالإجماع السياسي العربي. لكن بعيداً ايضاً عن إثارة الرعب وبث روح الهزيمة واليأس، بهدف الإذعان الذي يسعى إليه البعض لتمرير هذه القضايا مجتمعة من خلال النتائج الحاصلة على الجبهة العراقية وتداعياتها، وما يكتنف ذلك من غموض وإبهام لجهة ما ستؤول إليه الاوضاع العربية برمتها؛ لا بد من اخذ العبر ودراسة النتائج الدراماتيكية التي تعيشها المنطقة، بغية تصويب الخطوات السياسية راهناً ومستقبلاً كما اسلفنا القول، وعدم تجاهل الخطابات والرسائل السياسية والإعلامية القادمة من الغرب إن كانت تلك الصادرة عن لندن او واشنطن او غيرها من العواصم الاوروبية الاخرى. بالمقابل علينا ان لا نتجاهل الذعر الذي تعيشه الحكومة الإسرائيلية بسبب ما ستئول إليه المعركة السياسية التي تقف في صلبها « خريطة الطريق» الاميركية، بل اكثر من ذلك ان كل الحركة الداخلية الإسرائيلية ركبت بمجموعها هذه الايام حول كيفية الاستعداد لمواجهة طلب وشيك ومحتمل من جانب إدارة بوش للشروع بتنفيذ تصوره السياسي بشأن دولة إسرائيلية واخرى فلسطينية تعيشان بسلام مع بعضهما البعض. ومن الجدير ذكره ان بعض الصحف الإسرائيلية قد بدأت بنشر جزء من المحاضر التي قررها اجتماع بوش مع بلير في بلفاست، الامر الذي عزز الإحساس عند الإسرائيليين بان الاميركيين والبريطانيين يوشكون على الوصول الى وضع خارطة الطريق على الطاولة في غضون اسبوعين في حال لم يحدث اي تغيير في اللحظة الاخيرة، وفقاً لعرض حكومة ابو مازن. وعلى ما يبدو فإن الاميركيين سيعينون رئيس بعثة المخابرات المركزية الاميركية في تل ابيب، حسب ما اوردته صحيفة معاريف الإسرائيلية الصادرة يوم 11/4/2003، جيف اوكنول رئيساً لطاقم مراقبة تنفيذ خريطة الطريق، الامر الذي سيسهل ابتلاع حبة الدواء المرة لشارون. وإذا ما سارت الامور على ما يرام حسب قول الصحيفة المذكورة، فسيحاول الاميركيون عقد مؤتمر دولي كبير للسلام لتحريك القضية برمتها في لندن او مدريد. وبذلك ستضطر حكومة شارون إلى إخلاء المستوطنات غير الشرعية وتوفير شروحات مقنعة لسكان رأس العمود في القدس الشرقية. لكن الاهم في العملية ان الكثير من التسريبات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية، ترى ان شارون يعيش حالة من العزلة خاصة في الاسابيع الاخيرة بل ومنهكاً، بل ذهب بعضهم إلى اكثر من ذلك بالقول بانه ينظر حوله ولا يجد شريكاً معقولاً. لدرجة ذهب معها مستشار الامن القومي، إفرايم هاليفي بالقول:« ان الخريطة الائتلافية في إسرائيل سوف تتغير في الاسابيع القريبة والتقدير هو ان نشر خريطة الطريق قد يخلق عاصفة سياسية شديدة في إسرائيل. وليس من الواضح إن كانت الحكومة او الكنيست ستصادق عليها. ومن الجائز ان ينسحب المفدال وليبرمان من الحكومة، وان ينضم حزب العمل إليها». إذا سلمنا جدلاً بان هذا الامر الذي يحدث او سيحدث تباعاً، ما هي الخطوات الاسعافية المطلوبة فلسطينياً؟ وباي الادوات ستقاد العملية السياسية القادمة لا محالة؟ بداية يجب الاعتراف بان رأس الهرم السلطوي الفلسطيني، وبعد اكثر من ثلاثة اسابيع، لا يزال يعيش حالة من الإرباك السياسي ليس بسبب الاوضاع المستجدة في المنطقة وما آلت إليه الامور سريعاً في العراق، بل بسبب عدم التوافق الحاصل بين رئيس السلطة ورئيس الوزراء الفلسطيني ابو مازن، وان الفوارق في المواقف حول عدة مواضيع بقيت على حالها. فالتهديد بالاستقالة هو الوسيلة الوحيدة التي تبقت لرئيس الوزراء (اعني ابو مازن) للضغط على التدخلات التي تفرض عليه بين الحين والآخر إن لم نقل بين الخطوة والتي تليها، الامر الذي يؤخر نشر خارطة الطريق، بما يعني مجدداً عودة النغمة القديمة الجديدة التي تقول بديمومة الخرق الفلسطيني المتعمد للشرط الاساسي الذي وضعته الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بتطبيق الخريطة. بهذا سيكون الفلسطينيون قد حققوا تهديدات شارون للولايات المتحدة، والتي تضمنت بانه - شارون - لن يقبل باي إملاء اميركي في خريطة الطريق قد يعرض امن إسرائيل للخطر، حتى لو كان ثمن ذلك يؤدي للمواجهة مع الرئيس بوش، وسيقدمون الكثير من الذرائع خاصة ما سمي بالخطوط الحمراء الإسرائيلية، والتي بدونها لا يمكن ان يحصل شارون على الاغلبية في هذا الشان. بالإضافة إلى ان المنافسة الفلسطينية بين قطبي الرحى الرئيس عرفات ورئيس وزرائه ابو مازن، ستؤكد صحة موقف سبعين واحداً من اصل مئة عضو في مجلس الشيوخ، ونحو نصف اعضاء مجلس النواب على رسالتهم التي ارسلوا بها للرئيس بوش والتي تدعوه إلى عدم الضغط على إسرائيل في موضوع خارطة الطريق، والإصرار على مطالب السلطة الفلسطينية. إذا المطلوب: اولاً: الإسراع في التوافق على مجلس الوزراء الفلسطيني، بعيداً عن المنافع الشخصية او حالة الاستئثار بالسلطة التي تعودها الفلسطينيون وغيرهم، والعمل سريعاً من اجل إظهار هذه السلطة للعلن، بحيث تعبر عن حكومة تكنوقراط حقيقي وليست من منّ يسمون بالمجاهدين او الفتحاويين القدماء، حسب بعض الشعارات الحزبية الرنانة، لان مصلحة الشعب بالضرورة تتجاوز بما لا يقاس مصلحة الحزب القائد او الشخصية التاريخية وما إلى ذلك من المقولات البائدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولعل التجربة العراقية وتداعياتها لا تزال ماثلة للعيان، وان تحكم هذه الحكومة جملة القوانين المنظمة على كل المستويات بما في ذلك القيم القائمة على مفهوم العرف الاجتماعي مع مصالح الجمهور الذي يئن من حالة الاحتلال الجاثم على ارضه وصدره والقضية لا تختلف كثيراً بين الارض والصدر. ثانياً: العودة السريعة إلى طاولة الحوار التي كما اعلم لا تزال ممدودة في مدينة القاهرة، بهدف التمثيل السياسي الفلسطيني في الوزارة المنوي الإعلان عنها قريباً والتي لا تزال تعيش حالة المشاحنة والتمثيل، لان المرحلة، على ما يبدو لا تحتمل التسويف او التاجيل، او حتى البحث عن المنافع الشخصية. بالمقابل يجب فهم الحقيقية القائلة بان الحرب بحد ذاتها ليست هدفاً بينما البحث عن منافع الحرب هي الهدف، بمعنى اكثر وضوحاً ان توسيع العمل العسكري في هذه الايام قد يجلب الكثير من الخسارة للتحرك السياسي الفلسطيني، دون إغفال العمل الانتفاضي اليومي الذي من شانه تحسين موقف المفاوض الفلسطيني. ثالثاً: العودة إلى منظمة التحرير باطرها التنظيمية، باعتبارها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني بمعزل عن تواجده، لان العودة إلى هذه المنظمة يمنع العبث بمصالح الشعب العليا، وهنا اعني العبث بقضية اللاجئين، انطلاقاً من ان السلطة تمثل الواقع الفلسطيني القائم داخل فلسطيني، وان صلاحياتها فقط في هذا الحيز الجغرافي السياسي، وان المنظمة فيما يخص القضية الاهم قضية عودة اللاجئين هي وحدها المخولة بالبت فيها. وحتى لا تصبح هذه القضية الذريعة التي يسعى شارون للاستظلال فيها، وقد سمعنا ما قاله بان شرط القبول بخارطة الطريق التنازل عن حق العودة. والتأكيد على ان حق العودة يتجاوز القضايا التفاوضية وإعلان الدولة، لانه حق منصوص عليه في القرار 194 ولا يقبل التفسير او التأويل وانه حق شرعي لكل من هجر من دياره بسبب الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948. إذا ما تحققت هذه الخطوات على الجبهة الفلسطينية، سنكون بكل تأكيد قد حققنا الاداة التي يمكنها ان تقود العمل السياسي والدبلوماسي من جهة والعمل الداخلي الفلسطيني من جهة اخرى، ونكون قد فوتنا الفرصة على شارون وحكومته اليمينية، وبما يمكننا من دفع الاطراف الدولية بما في ذلك الولايات المتحدة إلى طرح خارطة الطريق دون التفكير ولو للحظة واحدة في إحداث اية تعديلات عليها باعتبارها الارضية الصالحة لعودة الحل السياسي للقضية الفلسطينية. ـ كاتب فلسطيني