السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 لقضية التسوية الفلسطينية تاريخ ممتد مع عمليات المماطلة والتسويف والمقاربات المراوغة والمشروعات والرؤى الفضفاضة.. وتعزى هذه الظاهرة في جانب كبير منها إلى إنحراف الوسطاء والاطراف الضالعين والمعنيين بمسار القضية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، عن منتجات ومداخلات الشرعية الدولية ذات الصلة، وعكوفهم بلا ملل على ابتداع حلول بديلة، غالبا ما تكون مدعاه لمزيد من الخلافات والجدل والتعقيدات، ومن ثم مدخلا إلى مزيد من التسويف والتأجيل. خريطة الطريق الاميركية هي آخر نماذج هذه الحلول، التي تمكنت بها واشنطن من إشغال المجالات الفلسطينية والعراقية والدولية على مدار الأشهر الستة الماضية وهي الفترة ذاتها التي تفاقم خلالها التحرش الاميركي بالعراق وصولا إلى العدوان عليه وإحتلاله وكان ذلك هو بعض أهم المطلوب أميركيا واسرائيليا من طرح الخطة.. أن يتلهى الفلسطينيون والعرب بالخطة عن مفهوم ازدواجية المعايير والمعالجات الاميركية للقضايا الساخنة شرق اوسطيا ودوليا. ولم يكن الفلسطينيون والعرب بالطبع على قدر من السذاجة بحيث تمر عليهم الخدعة الاميركية بدون أن تستفز لديهم الإحساس القديم بمراوغة واشنطن ضدهم: لقد استفزوا بالفعل.. وراح المفاوضون الفلسطينيون يطالبون بالتطبيق العاجل للخطة وعدم إرجائها إلى ما بعد التعامل مع الأزمة العراقية، لاسيما وأنهم قبلوا بها على علاتها وشرعوا في اداء الاستحقاقات الملقاة على عاتقهم فيها.. غير أنه لا الفلسطينيون ولا العرب، فرادى أو مجتمعين، تمكنوا من صرف إنتباه واشنطن عن الانغماس الكامل في الشأن العراقي، عدا تصريحات متفرقة صدرت عن هذا المسئول الاميركي أو ذك، كررت فيها واشنطن إهتمامها بالتسوية الفلسطينية ونيتها إعلان الصيغة النهائية لخريطة الطريق فور إستكمال الجانب الفلسطيني تصفيف أوضاعه بحسب الخطة. ومما يتداول بالخصوص على نطاق ضيق أن واشنطن مسرورة من تباطؤ الطرف الفلسطيني في تشكيل وزارة محمود عباس (أبو مازن)، لئلا يضعها إتمام هذا الإستحقاق أمام الخطوة التالية المطلوبة منها بحسب وعودها. ومع ذلك، نحسب أن هذه الوزارة سوف تتشكل قبل أن تستقر الأحوال في العراق بكثير، هذا إن كان بمفهوم الاستقرار في الحالة العراقية مضمون محدد من الأصل! ولا معنى والحال كذلك إلا أن يتم إبتداع أساليب لإعاقة الدخول في خطوات ملموسة لتطبيق خريطة الطريق ذلك لأن الولايات المتحدة وإسرائيل متهمتان بربط مسار التسوية الفلسطينية وتعقيد مضمونها النهائي وفقا لما سيؤول إليه «العراق الجديد» المفترض في سياستهما الإقليمية والدولية. نريد القول بأنه سيكون من الصعب ـ وربما من المستحيل ـ الفصل أميركيا وإسرائيليا بين خارطة الطريق العراقية والشرق أوسطية إذا جاز التعبير وبين خارطة الطريق الفلسطينية، ما يجرى في العراق بكل تداعياته الإقليمية، سيترك بلا ريب أصداء على ما سيجرى في فلسطين. هذا التوالي في رسم الخرائط وهندسة التسويات ينبغي أن يكون مفهوما للمعنيين الفلسطينيين والعرب بحكم منطق التشابك في القضايا الشرق أوسطية، وكذا من سنن العلاقات الدولية، هذا وإلا ما معنى الاحاديث والتحليلات التي ملأت الأفق العربي حول تأثيرات الحرب العدوانية على العراق بالنسبة للقضية الفلسطينية ؟ وعلى الرغم من ذلك فإن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين لم يدعوا بتصريحاتهم المباشرة مجالا للتشكيك فيما يفهم بالمنطق وطبائع الأمور، ذلك حين صرح هؤلاء فور سقوط بغداد، بأن على الفلسطينيين ـ والسوريين ـ الإنتباه إلى الحقائق الجديدة في الشرق الاوسط. ولنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك غورا فالعدوان على العراق رتب انعكاسات على عملية توازن القوى والمكانة في إطار النظام الدولي كله. إذ تمكنت الولايات المتحدة من معاكسة إرادات قوى كثيرة مانعت مطولا في وقوع هذا العدوان وأخرجته من دائرة الشرعي والمشروع، داخل مجلس الامن وخارجه، ومع هذا، لم يصدر عن هؤلاء الممانعين ردود أفعال صارمة ضد واشنطن حتى ليكاد المرء يقتنع بأن المفهوم الاميركي للنظام الدولي بات مؤهلا للتطبيق بالكامل ويعنى ذلك بين معطيات أخرى، أن واشنطن أضحت تحظى بطلاقه في حرية التصرف تجاه قضايا دولية أخرى، ومنها بالتأكيد القضية الفلسطينية ، على نحو أكبر بكثير من المستوى الذي توفر لها من قبل الأمر الذي ينذر بتضييق هامش الحركة الدولية أمام الطرف الفلسطيني، على غرار ما أنشأته الحرب العدوانية من واقع جديد مقبض على الصعيد الإقليمي. وعليه، فإن إستمرار حالة السيولة عراقيا، سيدفع إلى وقت مستقطع آخر في الحالة الفلسطينية، حتى لو أعلنت الوزارة الفلسطينية العتيدة في وقت قريب ولكن تظل هناك طاقة نور في هذا المناخ الموحش بالنسبة لفلسطين وهي أن يلملم العراقيون جراحهم سريعا ويقرنوا رفضهم للإحتلال الاميركي البريطاني البغيض بحد من المقاومة على الارض يتجاوزون به الرفض السياسي الى الغضب الفاعل عندئذ سيكون للسياسة الاميركية شأن أخر مع القضيتين العراقية والفلسطينية، فقد يحفزها ذلك على عروض عملية تسعى جديا لاحتواء الغضب هنا وهناك، المقاومة وحدها، فلسطينيا وعراقيا، هي التي ستفصل ما بين الجد والهزل في هذه السياسة اللعوب. ـ كاتب فلسطيني