السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 لماذا عزفت ادارة بوش عن فرض عقوبات على السودان كما كان محتملاً بموجب ما يسمى «قانون سلام السودان»، الذي صممه الكونغرس الاميركي خصيصاً لمراقبة العملية التفاوضية بين الحكومة السودانية ومنظمة التمرد التي تطلق على نفسها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»؟ «قانون سلام السودان» صار نافذاً منذ اكتوبر الماضي وهو وثيقة صيغ كل بند فيها من اجل تجريم الطرف الشمالي في العملية التفاوضية مقدماً. تنص احدى فقرات المادة (6) في هذا القانون ان على الرئيس الاميركي «ان يقرر ويشهد كتابة امام اللجان المختصة بالكونغرس خلال ستة اشهر من نفاذ هذا القانون وكل ستة اشهر لاحقة بأن حكومة السودان و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» تتفاوضان بحسن نية وان المفاوضات مستمرة». لكن هذه الفقرة تبقى عديمة المعنى اذا لم تقرأ في آن معاً مع الفقرة التي تليها مباشرة. فماذا تقول الفقرة التالية؟ تقول «اذا قرر الرئيس وشهد كتابة امام اللجان المعنية بالكونغرس ان حكومة السودان لم تنخرط بحسن نية في المفاوضات من اجل الوصول الى اتفاقية سلام دائم وعادل ومنصف.. فإن على الرئيس حينئذ، بالتشاور مع الكونغرس، تطبيق الاجراءت المنصوص عليها في الفقرة 2». وهذه الفقرة، «2» هي مجموعة اجراءات عقابية موجهة ضد الطرف الحكومي الشمالي وحده فقط، وتتكون هذه العقوبات من حرمان السودان من اي قروض دولية وخفض او تعليق العلاقات الدبلوماسية الاميركية مع السودان ومنع السودان من الحصول على عائداته النفطية وفرض حظر سلاح عليه. واذا كانت هذه هي العقوبات التي يمكن ان تتعرض لها الحكومة السودانية اذا اظهرت مسلكاً متعنتاً خلال المسار التفاوضي مع سوء نية كان السؤال المنطقي يكون: ما هي اذن العقوبات التي يمكن ان تفرض على الطرف الآخر ـ حركة التمرد ـ اذا ثبت ان هذا الطرف الآخر، وليس الحكومة، هو المتسبب في عرقلة التفاوض. والاجابة ـ دون مبالغة ـ هي: لا شيء! ففي هذا الصدد ينص «قانون سلام السودان» انه في حالة ان الرئيس الاميركي شهد بأن «الحركة الشعبية لتحرير السودان» لم تنخرط في المفاوضات بحسن نية فحينئذ لا تطبق عقوبات على الحكومة السودانية. ونعود الى السؤال الاصلي: لقد مضت الآن فترة الشهور الستة الاولى المنصوص عليها في القانون دون ان يصل الطرفان المتفاوضان الى اتفاق السلام المنشود.. فلماذا امتنعت الادارة الاميركية عن تطبيق العقوبات المقررة في القانون المذكور؟ لقد كان المتوقع ان تلجأ الادارة الاميركية الى فرض العقوبات على الحكومة السودانية لان العملية التفاوضية انتهت في آخر مراحلها الى طريق مسدود. وعندما توقفت المفاوضات قبل بضعة اسابيع اعلنت الحكومة الكينية نيابة عن الوسطاء الافارقة ان سبب وصول العملية التفاوضية الى طريق مسدود هو تعنت الطرفين وتمسك كل منهما بموقفه ورفض اي تنازل. رغم ذلك اعلن البيت الابيض مطلع هذا الاسبوع ان الرئيس بوش قرر عدم فرض عقوبات على السودان «بسبب تعاونه مع الجهود الرامية الى وضع حد للنزاع مع المتمردين». واضاف المتحدث باسم البيت الابيض ان الرئيس بوش ذكر في رسالة مكتوبة الى الكونغرس ان حكومة السودان و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» يجريان مفاوضات «بنية حسنة» وان «هذه المفاوضات ستتواصل». أليس هذا الموقف الاميركي غريباً اذا اخذنا في الاعتبار ذلك الانحياز الاميركي الفاضح لصالح حركة التمرد الذي تعكسه نصوص قانون سلام السودان بصياغته الموجهة علناً ضد الحكومة السودانية؟ ربما يكون كذلك.. لكن هذه الغرابة تتلاشى اذا استعدنا الى الاذهان ان هناك تيارين متضادين داخل مؤسسة السلطة الاميركية ـ بشقيها التشريعي والتنفيذي ـ تجاه مشكلة جنوب السودان: تيار اليمين المسيحي المتطرف المتحالف مع الحركة الصهيونية والذي يتخذ موقفاً انحيازياً عنيداً الى جانب حركة قرنق ويتبنى اجندة استمرار الحرب الى ان يتحقق نصر نهائي «للجنوب المسيحي على الشمال المسلم». والتيار الآخر يتمثل في «لوبي» شركات النفط الاميركية الكبرى الذي يسعى الى وقف الحرب بأسرع وقت ممكن ليحل مناخ استقرار مستديم يحفز هذه الشركات الى الدخول في استثمارات نفطية في السودان بحجم كبير اعتماداً على تقديراتها بأن لدى السودان احتياطيات نفطية ضخمة. قرار الرئيس بوش بعدم فرض عقوبات على السودان يعكس فيما يبدو انتصاراً للوبي النفطي الاميركي. وللحديث بقية.