السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 كانت مكبرات الصوت فوق المدرعات الأميركية تجوب شوارع المدن العراقية الملغمة بعناصر المقاومة وهي تتهم الجنود العراقيين بأنهم ليسوا رجالا وأنهم يختبئون مثل النساء وراء الجدران.. وأنهم لو كانوا رجالا بحق عليهم الخروج من جحورهم.. وفي غالبية الحالات كان العراقيون يلتقطون الطعم فيخرجون من مخابئهم لينفوا عن أنفسهم تهمة عدم الرجولة.. لكن.. ما أن يطلوا برؤوسهم حتى يصبحوا هدفا سهلا لجماعة محترفة من القناصة كانوا ينتظرونهم.وفي شوارع بغداد قبل سقوطها (على حد رواية نيوزويك الأميركية) انتشر جواسيس عرب وأسبان راحوا يقدمون تقاريرهم أولا بأول عبر أجهزة اتصال بالأقمار الصناعية عن كل ما يرونه.. حركة الأسواق.. منسوب المياه تحت الجسور.. عدد المخابز الليلية.. طبيعة التحصينات في الشوارع.. بل أكثر من ذلك كان بعض هؤلاء الجواسيس قريبا من الرئيس العراقي السابق وكان ينقل تحركاته وأماكن مبيته.. وهو ما جعل الحرب تبدأ قبل موعدها بنحو 36 ساعة.. عندما تقرر ضرب مقر ينام فيه صدام حسين هو وولداه وبعض رجاله.. فالحرب بدأها العملاء وليس الجنرالات.. وهو أيضا ما جعل اقتحام بغداد بريا يبدأ قبل موعده المحدد بنحو 36 ساعة أيضا.. فقد كانت الأرض مفروشة بالرمل والورد أمام القوات الغازية.. وقد اخترقت شرايين العاصمة العراقية بنفس سهولة اختراق سكين ساخن في قالب من الزبد على حد قول «تومي فرانكس».. قائد هذه الحرب. لقد كانت هناك حرب أخرى.. سرية.. وقذرة.. أشد فاعلية من الحرب الساخنة.. وربما أكثر تأثيرا.. هذه الحرب الأخرى هي التي قادتها وكالة المخابرات المركزية.. وجماعات محترفة في مجالات الانهيارات النفسية الجماعية.. وهو ما جعل «نيوزويك» تعترف علنا بأن «الرشوة كانت سلاحا فعالا في هذه الحرب».. فقد كانت هناك عشائر جاهزة للتعاون مقابل مناصب تحصل عليها فيما بعد.. وليس مقابل أموال كما كان الحال مع قبائل أفغانستان.. فالعشائر العراقية عشائر ثرية.. ليست في حاجة الى الثروة وإنما في حاجة الى السلطة.. وكانت هناك حقائب مليئة بالدولارات وجوازات سفر أميركية في انتظار من يتعاون لغلق آبار البترول قبل حرقها.. أو لاقناع قواته بخلع الملابس العسكرية والابتعاد عن ساحة القتال.. والاختباء بعيدا عن ميادين النار.. وهو ما اعترف به عدد من الضباط العراقيين في تقارير صحفية تليفزيونية نقلت عنهم. ولم تكن الصحافة بعيدة عن مرمى الاصابة.. فعندما فتحت النيران على مراسلي قنوات اخبارية عربية لقتلهم كان ذلك نوعا من إبعاد عيون الكاميرات وآذانها عما يجري من صفقات خفية لتسليم العاصمة العراقية.. لقد غرق المراسلون في دموعهم وأحزانهم ولم ينتبهوا أنهم يدفعون بعيدا عن أحداث مصيرية جاءوا ليكونوا بالقرب منها.. وليشهدوا عليها.. لكنهم كانوا شهودا لم يشهدوا شيئا.. ففي الوقت الذي كانوا ينعون فيه قتلاهم كانت عملية تفريغ النظام السياسي العراقي من كل مظاهر السيادة والمقاومة تجري على قدم وساق.. وعندما أفاق المراسلون كان كل ما يمت لصدام حسين قد تبخر تماما.. إنها المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك.. نظام بأكمله يتلاشى.. يختفي.. تنشق الأرض وتبتلعه. في ظل هذه الحمى الملتهبة بالهواجس والمغطاة بالأكاذيب تلقيت قصة مراسلة التليفزيون المصري في واشنطن حنان البدري التي سببت لي ولعدد لا يستهان به من الناس في مصر ودول عربية أخرى لبسا وارتباكا دفعني لتوضيح موقفي من النظام العراقي في مقال نشرته على هذه المساحة قبل أسبوعين. كنت في بيروت على موعد حوار بيني وبين الرجل الذي جعل العالم يمشى على ساق واحدة أميركية هو: ميخائيل جورباتشوف.. كنت أرصد كل تفاصيله البسيطة العابرة والضاغطة التي تكشف لي سر ما فعل.. هل كان واعيا بما فعل؟.. هل فعل ذلك تنفيذا لمؤامرة أكبر منه؟.. وقد جلست معه في جناحه الرئاسي بفندق «فينسيا» أكثر من مرة.. ورافقته في زياراته لعدد من السياسيين اللبنانيين.. وتابعت حواراته المغلقة معهم.. ومازحته في صراحة ربما كانت موجعة.. وخرجت من ذلك كله: إننا أمام فلاح روسي يتسم بدرجة هائلة من الطيبة وحسن النية.. تصور أنه يمكن أن يتجنب عيوب نظامه السياسي العتيق والمغلق والقاسي باصلاحات جوهرية وجذرية تعيد ضخ دماء جديدة في عروقه تعيد اليه شبابه وتعيد إيمان الناس به.. لكنه كان مثل رجل قام بتفكيك شيئا وعجز عن إعادة تجميعه مرة أخرى.. أو كان مثل رجل تصور أنه يقدر على أن يضع الشمس في كف يده دون أن يصرخ من شدة الاحتراق.. فكان ما كان. كنا في مزرعة الزعيم اللبناني وليد جنبلاط المعروفة باسم «المختارة» والتي تقع على بعد ساعة بالسيارة من بيروت عندما تلقيت الخبر عبر جهاز التليفون المحمول.. إن مراسلة التليفزيون المصري في واشنطن تنقل عن مصادر أميركية أنني في بغداد مرافقا للرئيس العراقي في جولته بحي المنصور.. وإن هذه المصادر تؤكد أنني من الصحفيين المقربين منه.. وتصورت أن ما سمعت هو نكتة.. فأنا لم أذهب الى بغداد ولو مرة واحدة عابرة.. ولم أفكر في لقاء رمز واحد من رموز ذلك النظام القاسي.. لكن.. التليفون لم يكف عن نقل الخبر ذاته.. وما زاد الطين بلة: إن أحد رجال السفارة المصرية في بيروت (ممن يعنيهم مثل هذا الأمر) اتصل بي ليتأكد من أنني على بعد أمتار منه ولم يكن لي سابق معرفة به.. وما ضاعف من حجم ما جرى أن أكثر من مراسل لوكالة أنباء أجنبية اتصل بي ليسمع تعليقي فيما قيل.. ولم يصدق غالبية من تحدثت معهم أنني في بيروت.. كانوا يريدون أن يصدقوا أنني في بغداد.. بل أن أحدهم سألني في دهشة: كيف أكون في بغداد واستخدم الموبايل؟.. ثم سألني: هل الموبايل الذي استخدمه من ذلك النوع المتصل بالأقمار الصناعية؟.. وعندما عدت الى القاهرة كانت القصة قد أصبحت حديث الأوساط الصحفية والسياسية والثقافية.. ولم أجد مفرا من أن أرويها كما وقعت دون زيادة أو نقصان.. هنا.. على هذه المساحة.. عملا بالقاعدة الصحفية الشهيرة والبسيطة.. قل ما عندك تكشف الحقيقة عن نفسها. وقد كشفت الحقيقة عن نفسها.. فقد أرسلت حنان البدري رسالة بالفاكس الى الاستاذ ابراهيم نافع تنفي فيها وقالت في رسالتها موضحة ما جرى: إنها سئلت من مذيعي الأخبار في التليفزيون المصري عن حقيقة الزيارة التي قام بها صدام حسين لشوارع بغداد وهل هو بالفعل صدام حسين أم شبيها له.. فكان ردها بالنص: «ان الأجهزة الأميركية المعنية تفحص صور جولة صدام حسين في شوارع بغداد بدقة وتحللها بما في ذلك الوجوه التي أحاطت بصدام حسين بما فيهم الصحفي العراقي «عابد حمود» وهو صحفي مقرب من الرئيس صدام حسين وهو بالمناسبة عمل مستشارا صحفيا وسكرتيرا للرئيس العراقي». والواضح أن اللبس قد وقع عبر السمع.. وسهولة الخلط بين «عابد حمود» و«عادل حمودة».. وهو خلط ليست حنان البدري مسئولة عنه.. ولا يحمل تشكيكا في مصداقيتها.. ولا في براعتها المهنية.. كما أنها لم تنسب ما قالت لنفسها.. وإنما نسبته الى ما وصفته ب«الأجهزة الأميركية المعنية».. ومن ثم فإن الرد لم يكن عليها.. فناقل الكفر ليس بكافر.. وإنما الرد على هذه «الأجهزة الأميركية المعنية».. وهو رد كان ضروريا في وقت شاعت فيه تهمة قربي من صدام حسين الى الحد الذي وجدت مأمور الجمرك في مطار القاهرة (فجر يوم الاثنين 7 ابريل الجاري) يمسك بجواز سفري ويقلبه مندهشا وهو يقول: «هل جئت من بغداد عن طريق بيروت؟ لقد سمعنا إنك كنت في جولة صدام حسين».. وأحمد الله إن علامات الاستفهام اقتصرت على مأمور الجمرك. لقد أصبحت الشائعة حقيقية تطاردني في كل مكان.. وتصر على فرض إرادتها على وجودي.. ومصداقيتي في رفض الديكتاتورية العراقية ومواجهتها قبل الحرب الأميركية على العراق.. ومازات الطين بلة أن فضائية عربية راحت تتحدث عن دوري في التخطيط للحرب الاعلامية التي يقودها النظام العراقي متجسدا في وزير اعلامه محمد سعيد الصحاف.. وهكذا.. كان علي أن أوضح الحقيقة.. الحقيقية... أوضحها للناس الذين يتهمونني.. الناس الذين أعيش بينهم وأعمل معهم.. والذين كان من السهل اختلاط السمع عليهم وتصديق ما وصل اليهم.. فكتبت بدقة ما جرى.. وقلت: سمعت.. وقلت: تأثرت.. وقلت: تألمت.. وقلت: تعجبت.. ولم يكن ذلك موجها لمراسلة التليفزيون حنان البدري.. فهي لم تخطئ.. وهي قد نقلت عن غيرها.. ولم تخترع القصة.. ولم تتجاوز حدودها المهنية.. بل التزمت بكل الأصول والقواعد السائدة والمستقرة ولم تخرج عنها.. لكن.. كان الخطأ الذي يرجحه علماء النفس في سهولة الخلط بين اسمي وبين الاسم الذي قيل «عابد حمود».. فالناس في مصر لا تعرف «عابد حمود».. والناس في مصر سمعت اسمه على أنه اسمي وتعاملت معي على هذا النحو.. فكان الرد لهم وليس على حنان البدري.. ولو كان قد أصابها شئ مؤلم مما كتبت بقلمي فإنني أملك الشجاعة الكافية للاعتذار لها. وأنا أعرف حنان البدري جيدا.. أعرفها منذ بدأت في صحيفة «الوفد» قبل نحو 17 سنة.. وقد سعت جاهدة منذ ذلك الوقت الى أن تكون مراسلة سياسية متميزة في وقت لم تكن فيه السياسة تغري غيرها من الصحفيات.. وكانت جرأتها بغير حدود عندما قررت أن تعمل في واشنطن.. وتخترق دوائر صنع القرار الأميركية بكل قدراتها ونفوذها في تسيير مصائر العالم بأكمله.. وقد تحمست لجرأتها وساندتها خلال وجودي في روز اليوسف مسئولا عن تحريرها بأن اعتمدتها مراسلة للمجلة في العاصمة الأميركية.. ولم أجد تكذيبا واحدا لها خلال سنوات طوال كانت تنشر فيها رسالة صحفية اسبوعية تقريبا. لم تكن حنان البدري هي المقصود بما نشرت.. كان المقصود تصحيح ذلك اللبس الذي سببه خلط الأسماء في آذان كل من سمع الرواية.. لذلك فأنا أعتذر لها عن ألم غير مقصود سببته لها عن غير قصد.. وأتصور أنها يمكن أن تتفهم الآن ما عانيته في نفس ما وصل الى أذهان الناس من خلط أصروا على أنه حقيقة.. وتعاملوا على أنها أمر واقع.. فمن العار أن يتصور الناس في بلادي ولو عن طريق السمع الخطأ أنني مقربا من الرئيس العراقي.. أو أنني على علاقة به.. أو أنني مروجا لأفكاره.. فقد رفضت منذ أكثر من عشرين سنة السفر الى بغداد.. ويعرف كل زملائي المقربين مني أنني كنت أرى أن مثل هذا النظام سيسبب الكوارث السياسية والحضارية والنفسية للأمة العربية بأكملها.. مهما كانت الشعارات براقة.. والتصورات مغرية.. ولم يكن ذلك يحمل عبقرية في التنبؤ وإنما كان قراءة سهلة للتاريخ.. تاريخ الفاشيين والديكتاتوريين في غرب الدنيا وشرقها. مرة أخرى هذه هي الحقيقة.. بلا ألوان أو رتوش.. ومرة أخرى لو كانت هذه الحقيقة قد أصابت زميلة صحفية بارعة بأذى فإنني أعتذر لها.. وفي الوقت نفسه اطالبها بأن تتفهم ما جرى.. وما كنت فيه. ـ كاتب مصري