السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 ما مدى جاهزية الفرد المسلم لاتمام مهماته في صناعة واقع افضل، وتحريك ايقاع الحياة باتجاه خدمة الاهداف الكبرى للأمة؟ تعد قضية اعداد الفرد الفعال احدى القضايا المسقطة سلفاً من مشاريع التنمية البشرية، حيث لا يوجد بند واضح في سلم الاولويات لدى مختلف الدوائر والمؤسسات الرسمية لصناعة الفرد الفعال واعادة بنائه وتأهيله لانجاز متطلبات مرحلة النهوض، والبعث الحضاري الذي لايزال حلماً يرواد خيال المخلصين جيلاً بعد جيل. وفقدان هدف بناء الانسان المتمتع بالكفاءة النفسية والقادر على توظيف امكاناته في تطوير البيئة الانتاجية هو احد الاخفاقات الكبرى في مسيرة التنمية التي مازالت تسير على قدم واحدة. فالفرد هو حجر الزاوية لمجمل المشاريع الطموحة وهو من يمسك بيديه كافة خيوط العملية الانتاجية، وكل نقص في اعداده للقيام بأدواره المهمة من شأنه ان يؤخر انجاز الاهداف التي لا تحتمل الابطاء والتسويف. ان جاهزية الفرد المسلم هي مصطلح يدل على تنامي الوعي واصالة التفكير لدى الفرد الناضج الذي لا يتوانى عن افراغ الجهد والطاقة في توسيع دائرة التأثير، وتفعيل الصلة بالادوار المنوطة به. وحيث ان الخلل في المفاهيم والتصورات هو الآفة الكبرى التي مازالت تفتك بأوصال الارادة وتبعثر الجهود الصادقة وتحولها الى رماد تذروه الرياح، فإن مطلب استعادة الفرد المسلم لمواقعه الريادية يغدو مسألة مصيرية لا يمكن غض الطرف عنها، أو تجاهلها مهما كانت الذرائع والمبررات. ولعل السر في صعوبة انجاز مهمة ترشيد العقل المسلم، وتفعيل صلته بأدواره الغائبة يكمن في غياب فلسفة واضحة تجعل الانسان محور عملية التغيير وتجرِّم اهماله وتضيع حقوقه تلك الفلسفة التي ترى ان الفرد لن يستطيع العطاء فيما لو حرم من الأخذ، ولن يتمكن من وزن الامور بميزانها الحقيقي، واتخاذ مواقف ايجابية منها طالما انه جاهل بنفسه، جاهل بمصادر التأثير والاضافة الى رصيده من المعارف والافكار. وفي ظل الجهل بأبجديات التنمية الذاتية الشاملة وما تزامن معها من اسقاط للمشاريع الهادفة لحماية الانسان، وتحصين فكره وروحه ضد الجمود والتآكل، فقد الفرد المسلم الكثير من المزايا، واصيب الكثيرون من الافراد بداء الجمود الفكري، وعدم القدرة على ممارسة وظائف التفكير العليا على النحو الذي يؤهلهم للتفوق على التحديات المحدقة بهم من كل صوب وناحية. ومن الشواهد الجلية على حالة القصور عن قراءة الواقع بطريقة صحيحة، التراجع السريع عن انجاز الاهداف الجيدة، وقلة الصبر على المشاكل والازمات. وكم تكون الخسائر جسيمة حين يصبح الاستثناء هو القاعدة، ويكون الهروب من النوافذ والابواب الخلفية هو الحالة السائدة للجموع التي لا تلوي على شيء، ولا يجمعها الا هم القوت وتوفير متطلبات العيش. هذه الحالة من فقدان السيطرة على النفس، والعجز عن تحمل تبعات الواجب مصدرها كما قلنا حالة التصدع في العقل المسلم، وما صاحبها من شعور بالانهزام امام التحديات الخارجية واحساس عارم بأن العامل كالخامل، وان المنتج كالبليد في ظل غياب العدالة الوظيفية كما غابت سلفا العدالة الاجتماعية. وطالما اعتمد المسلم الميزان المادي ليقيم مواقفه وردود افعاله وفقاً لمؤشر صعود او نزول العائد المالي، فلا شك ان ناقوس الخطر يكون قد تأخر كثيراً جداً عن ابلاغ رسالته التحذيرية حول خطورة اعتماد هذا الميزان دون غيره من الموازين الكلية التي ترتكز على عدة معطيات حضارية من بينها مراعاة المصلحة العامة، وانجاز المهمات بمواصفات متقدمة، وبذل الامكانات لاثراء البيئة الوظيفية بغض النظر عن اشتراط مكافأة مادية للتميز والفاعلية قد تتأخر بعض الشيء لكنها حتماً ستأتي لمن يحمل روح الانتماء الى الجماعة، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.