السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 مَنْ مِن المثقفين والسياسيين العرب قرأ الواقع بحس موضوعي وعقلاني وأدرك ان المستقبل عمل فعلي وليس حماساً فاضياً؟ ومَنْ مِن الطليعيين الذين هاجروا من أوطانهم وراحوا، يكيلون الشتائم لبلدانهم عبر الفضائيات أدرك انه هرب من واقعه ولم يواجه الحقائق ويتفاعل مع محيطه. فإذا كان الصحاف هو «غوبلز العرب» فإن شعراء العرب يمتلكون لسان أسد وقلب دجاجة. ونذكر في هذا الصدد ان جهة ثقافية نظمت أمسية تضامنية مع العراق ثالث أيام العدوان الأنغلو-أميركي شارك فيها رهط من كتّاب القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر، ولم يتركوا فرصة للخيال أن يحول صورهم ومعانيهم إلى حماس وجداني، لأن الاحداث تلاحقت بسرعة البرق ليتم احتلال بلد طويل عريض في 21 يوماً فقط. الذين راهنوا على الأسلحة المخبأة في السراديب هم ذاتهم الذين يراهنون على ظهور صدام حسين ثانية لدحر المحتلين، وهم ذاتهم الذين يرون نصرة الاسلام في وجود شخص كاسامة بن لادن، وهم ذاتهم الذين يفورون حماساً مع لعلعة شعبان عبدالرحيم، وطبعاً هم أنفسهم الذين يصغون لعمرو خالد الأنيق الحليق الذي يلدغ بالراء ويرطن بعبارات منتقاة من قاموس شعبي ويركبها على وقائع دينية ويقول للناس «تصوروا». هؤلاء لم يختفوا كما اختفى صدام حسين، بل سكتوا لأن الخوف من أميركا وصديقاتها جعلهم يركنون إلى الصمت. وقديماً قالوا «الساكت عن الحق شيطان أخرس». وإذا كان المثقف والسياسي والطليعي العربي قد آثر الصمت في هذه المرحلة فهذا يعني انه كان يجعجع طيلة سنوات من وراء المنابر وفي المحافل والمجالس حيث يعيد ويكرر كلاماً لم يعد يصرف على أرض الواقع، والواقع يقول ان غارنر قد استقبل في شمال العراق «كردستان» استقبالاً اسطورياً، طبول ومزامير وحمائم وصبايا ينثرن عليه الأزاهير وقادة يعصرون عظام صدره من شدة العناق. وهذا يعني ان المشروع الأميركي للمنطقة قد بدأ من كردستان، وسيمضي إلى جبال الأوراس مروراً بالأمازيغ وصولاً الى أرمن المنطقة وشيشانهم وتركمانهم وكأن الخريطة المقبلة للوطن العربي هي اسرائيليات صغيرة تناسب العلم الأميركي الذي بات يتسع لعدد آخر من النجوم. في الأمسية التضامنية تلك كان الشاعر العمودي يصرخ «بغداااااااد» ويخبط بقدمه اليسرى على الأرضية الخشبية للمنصة عكس زملائه التفعيليين والنثريين الذين اكتفوا بخبط الطاولة بقبضاتهم الواثقة من النصر الذي أعلنه غوبلز العرب «سنذبحهم على أبواب بغداد». بالمناسبة أميركا لا تطلب رأس الصحاف.. لماذا؟ لأنه بياع حكي، وبائعو الكلام من آنفي الذكر قادوا أمتهم في نفق مظلم دون سراج أو أمل، مجرد كلام في كلام، وقالوا عنّا في فروسيات الكتب اننا شعب «كلمنجي» وهذا مصطلح يستحق التسويق هذه الأيام لأنه يناسب المرحلة. لقد خرجنا من تلك الأمسية منتصرين كما هو الحال في جميع حروبنا لنجد العلوج والطراطير والأوغاد الدوليين يسرحون بين الكرخ والرصافة ويسرقون ملايين صدام وقصوره.. ونحن نتفرج والغزاة ايضاً يتفرجون لأن الفرجة ببلاش، وأهل الشام يقولون «البلاش لاش» يعني لا شيء في أمثالهم العامية. Email: h-s-d@maktoob.com