السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 في خضم الأحداث المتلاحقة والتي تسير بنا من سيء الى أسوأ فإن السؤال الذي بات يفرض نفسه هو: كيف نتعامل، مع هذه الأحداث بالشكل المناسب سياسيا واعلاميا بما يحد من الآثار السلبية لما نواجهه على صعيد قضايانا المصيرية؟. صحيح أن غياب الارادة السياسية العربية الجماعية يقلل من امكانيات العمل العربي المشترك، فضلا عن أن ارتباط أغلب النظم العربية بالقوة المهيمنة على مقدرات النظام الدولي يعني الحد من حركة هذه النظم، غير أن التسليم بهذا المنطق قد يؤدي بالأمة الى نوع من الانتحار السياسي بحيث لا تقوم لها قائمة على مدى عقود . واذا كانت رياح النظام الدولي تأتي بما لا تشتهي الارادة العربية، فإن ذلك لا ينفي أن هناك ما يمكن تسميته بثغرات يمكن النفاذ منها حتى لو اقتضى الأمر منا الاستفادة من عدونا . ونشير هنا مثلا الى التحرك الاميركي الأخير بشأن سوريا. لقد نجحت ادارة بوش في جعل القضية تحتل مرتبة أولى في القضايا العالمية حتى أن البعض بدأ يتوقع أن يبدأ غزو القوات الاميركية للأراضي السورية اليوم قبل الغد، غير أنه تكشف في النهاية أن الأمر لم يكن يتجاوز الابتزاز السياسي. وقد تكون هذه المقارنة ظالمة غير أن التسليم بالعجز قد يكون فيه ظلم أكثر لأنفسنا. نعلم أن منطق القوة هو الذي يحكم العلاقات الدولية، وأن ذلك يعني فرض أجندة الولايات المتحدة على النظام الدولي، ونعلم أن موجة الهيمنة الأميركية عالية هذه الأيام ونصمت عن منطق بعض الحكماء العرب، وغير العرب، بوجوب قدر قليل من الانحناء حتى تمر الموجة، غير أن ذلك كله لا يعني الركون الى عدم الفعل. واذا كان العالم قد صمت عن مجموعة من الأسئلة الأساسية التي كان ينبغي أن توجد لها اجابات فإن ذلك أوجب ما نفعله، إن لم يكن من باب التأثير في الأحداث، فعلى الأقل من باب الكشف عن ازدواجية المعايير التي يتم التعامل بها مع القضايا الدولية بما يفضح زيف بعض التوجهات والأقلام التي ما زالت تروج لنبل الأهداف الأميركية بعد كل ما حصل! إن الكارثة الأكبر الى جانب قضية احتلال العراق وكما تكشف عنها تداعيات الأحداث هي أن الولايات المتحدة لم تحتل العراق فقط وإنما تحاول أن تصادر وعينا وأن تشل قدرتنا على التفكير إلا وفق منطقها. ومما يثير الدهشة أننا نبدو منقادين بسلاسة لتلك العملية وهو ما لا يجد تفسيره سوى في أن ذلك من توابع ممارسات القوة ولكن في صور أخرى لها هي الهيمنة الإعلامية. ويعجز العقل إن لم يفكر بذلك المنطق عن تفسير العديد من القضايا التي نواجهها في سياق الحديث عن السياسات الاميركية الحالية. لقد شهدنا منذ نحو عامين ـ مثلا ـ ضجة غير عادية إثر قرار طالبان تدمير تماثيل بوذا في افغانستان وهنا تحركت اليونسكو ووقف العالم كله على قدم واحدة وبدا وكأن الانسانية جمعاء ليس لها من هم سوى انقاذ تماثيل بوذا باعتبارها تراثاً انسانياً، ومن كثرة خجل المسلمين من موقف طالبان كان تحرك وفد اسلامي رفيع المستوى لاثناء طالبان عن موقفها. غير أن الصورة اختلفت تماما إزاء عمليات القضاء على التراث الانساني في العراق على مرأى ومسمع من القوات الاميركية، وأصبحت القضية رغم أنها تتعلق بتراث انساني ايضا قضية في مرتبة عاشرة من اهتمامات العالم بما فيها اليونسكو، وليس ذلك إلا لأن القوة التي تقف وراء هذه العملية سواء بقصد أم بدون قصد ـ فمسئوليتها قائمة في كل الأحوال ـ هي الولايات المتحدة! ما يعني أن المحرك في كلتا القضيتين ليس التراث الانساني وانما هو منطق آخر يتمثل في قوة الطرف الذي يقف خلف القضية، وكذا فشلنا في استغلال مثل هذه القضية في تعزيز موقفنا والكشف عن جانب من مساوئ الغزو الاميركي للعراق . يتكرر نفس الأمر على صعيد الأزمة العراقية ولكن في موضع ثان هو معركة مطار بغداد فرغم أنها كانت معركة حاسمة بل وفاصلة في تطورات الحرب إلا أننا لا نعرف حتى الآن كيف تم حسمها لصالح القوات الاميركية. ما يستدعي التساؤل هو وجود رواية عراقية عن استخدام القوات الاميركية ما يعتبر قنابل نووية صغيرة تم خلالها إبادة القوات العراقية . وهو أمر تم التعتيم عليه ولم يثر على أي مستوى بما فيها الاعلامي رغم أن الكشف عن أبعاد هذه العملية حال صحة الرواية المشار اليها أن تكشف جانبا من الفظائع الاميركية في عملياتها العسكرية بالعراق بما كان يمكن أن يشكل عملية ضغط توفر ظروفا تفرض الاسراع الاميركي بالرحيل عن العراق . يأتي الى جانب ذلك قضية أسلحة الدمار الشامل التي بنت الولايات المتحدة عملية الغزو على أساسها ولم يثبت وجودها حتى الآن، وحتى لو أعلنت واشنطن العثور عليها فسيبقى اعلانا مشكوكا فيه وهو أمر أقر به رامسفيلد نفسه، وهذه قضية لم تستغل عربيا على أي مستوى، ولم يلجأ مسئول عربي الى طرحها حتى في سياق الدفاع في مواجهة الاتهامات الجديدة الموجهة لسوريا! رغم أنها تعد مجالا خصبا لتعزيز الموقف العربي من جوانب مختلفة . وتثير هذه القضية بالذات العديد من التساؤلات حول الانسياق العربي المريب للمواقف الاميركية وافتقاده القدرة على المبادرة في طرح المواقف واقتصاره على اتخاذ المواقف التي تعبر عن رد الفعل فقط. ومن الممكن أن يصل الموقف في نظرنا الى حد مطالبة الولايات المتحدة بدفع تعويضات للعراق على غرار تلك التي دفعها هذا الأخير للكويت! والأمر لا يعبر عن شطحات خيال بل انه أكثر معقولية من كثير من المواقف الاميركية المماثلة والتي كان آخرها طرح امكانية رفع قضايا للحصول على تعويضات من المملكة السعودية عن أحداث سبتمبر، وهو طرح جاء في سياق الابتزاز السياسي وكان يمكن تحويله الى حقيقة فيما لو سايرت ادارة بوش هذا المنطق. قد يطول بنا الحديث ولا ينتهي اذا حاولنا استعراض تداعيات القضية العراقية والتي يمكن استخدامها في تعزيز الموقف العربي غير أننا نكتفي بالأمثلة السابقة والتي تؤكد أن ادراك حقائق النظام الدولي لا يعفينا من الفعل وتلك هي القضية التي لا يريد العرب مواجهتها لأنها تكشف عن مدى ما وصل اليه حالهم من ترد وهوان!