السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 لعل من الأمور القليلة التي تحظى باجماع نادر هذه الأيام، أن العصر الحالي هو عصر ثورة التكنولوجيا والمعلومات. وفي عصر هذه حالته وهذا توصيفه، ليس غريبا أن تتحكم الأجهزة «التكنولوجية» في مختلف جوانب الحياة وميادينها، بما في ذلك التحكم في الانسان نفسه وتحويله إلى مجرد آلة أخرى يمكن التحكم فيها عن بعد بواسطة جهاز التحكم الآلي أو «الريموت كونترول»! والحدييث هنا ليس عن «الإنسان الآلي» أو «الربوت» المعروف الآن على نطاق واسع باعتباره آلة تقوم بوظائف مشابهة لوظائف البشر العاديين، وإنما المقصود هو «الإنسان الآدمي»، بمشاعره وأحاسيسه ومواقفه ايضا من الحياة ومن الإنسان نفسه. هناك بالطبع حديث كثير، بل نظريات «علمية»، عن امكانية «تطوير الإنسان تقنيا»، بزرع خلايا الكترونية في الدماغ مثلا، وغير ذلك من الاساليب التي لاتزال في معظمها اقرب الى «الخيال العلمي» من الواقع الفعلي. لكن الواقع الراهن، إقليميا ودوليا، يدل على ان هذا «التطوير التقني» للإنسان قد تحقق فعلا وبدرجة كبيرة على المستوى السياسي، وبدرجات قياسية فاقت أكثر التوقعات تفاؤلاً على مستوى التصنيع الآلي! والخطورة هنا أن الامر تجاوز حدود الإنسان الفرد، إلى الهيمنة المباشرة والكاملة على الدول والمنظومات الاقليمية والدولية. في السابق كانت هناك وسائل عدة للتأثير في مواقف الأفراد واتجهاتهم بهدف تغييرها او تشويهها، كما كان التأثير على الدول فرادى او جماعات يتم عبر وسائل ضغط مختلفة كالترغيب والترهيب، او ما يعرف بمبدأ «العصا والجزرة»، خاصة بالنسبة للدول التي اصطلح البعض على تسميتها بالدول النامية أو «العالم الثالث». وكانت التوازنات الدولية، رغم ما يصيبها من خلل أحيانا وتواطؤ في معظم الأحيان، تشكل نوعا من الكوابح لمثل هذه الضغوط والممارسات. أما وقد اصبح العالم كله خاضعا لهيمنة «ميزان الكفة الواحدة»، فإن التأثير المغلف أو الضغوط من وراء ستار لم تعد كافية ولا مقبولة. وإنما لابد من تحكم كلي «معنا أو ضدنا» وليس هناك خيار آخر. فإذا كنت «معنا» فلا بد أن تكون آلة طيعة نتحكم فيها بالريموت كونترول، فننتقل من هذه «القناة» إلى تلك، أو من هذا البلد أو ذاك إلى أي بلد نريد ومتى شئنا، وبالحجج والذرائع التي نختارها. أما إذا رأيت أن تكون «ضدنا»، فعليك أن تتحمل المسئولية وتدفع الثمن، سواد كنت (أوكنا) بلدا «عالمثالثيا» منهكا، او قوة دولية كبرى، أو كانت تعتبر كذلك، وحتى لو امتلكت «حق الفيتو» وعضوية دائمة في الراحل الفقيد «مجلس الأمن الدولي»؟ فالقانون هو قانون القوة، وبالتالي فالحكم للأقوى والقرار بطبيعة الحال. وحتى لو كنت تمتلك قوة لا تستطيع أن ترغب في استخدامها، فأنت في حكم الضعفاء ويسري عليك ما يسري عليهم، سواء كنت عدوا سابقا أو حليفاً تقليديا! وهكذا لم يعد الإنسان، في أي مستوى من مستوياته الفردية او الجمعية، ومن وجهة نظر القوة المهيمنة والمتسلطة، سوى آلة يمكن التحكم فيها بواسطة جهاز اصغر حجما وأكثر راحة للمستخدم هو «الريموت كونترول»، سواء كان عسكريا أو سياسيا أو في أي شكل آخر. لكن تجربة «دوللي» القاصرة تدل، رغم كل ذلك، على أن التطويع الآلي للإنسان وتغيير خلق الله لن يكون في مقدور أي قوة بشرية، مهما بلغت من العدوانية والطغيان.