السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 صدام حسين سقط ولم يعد يشكل تهديدا سواء كان حيا او ميتا، ومع ذلك تمضي لعبة الالغاز بشأن ظهوره هنا واختفائه هناك، والسؤال ما هو الهدف، والحقائق تقول ان النظام البعثي قد انهار بعد ان ظل جاثما على انفاس العراقيين لاكثر من ثلاث سنوات. جورج بوش ينصح صدام، اذا كان حيا الا يطل برأسه لانه هدفا لاطلاق النار، احمد الجلبي المثير للجدل يؤكد وجود صدام في العراق وروايات عن ظهوره قبل ثلاثة ايام، نصائح بوش وتأكيدات الجلبي لم يفصل بينهما سوى 24 ساعة وقبلهما بيومين كانت وسائل الاعلام مشغولة بصور وشريط صوتي بثته فضائية ابوظبي وقالت انه لصدام حسين يوم سقوط بغداد. صدام كان يهوى صيد السمك بالقنابل اتساقا مع شخصيته الدموية، نجله عدي كان يتخذ من احد القصور وكرا لممارسة ساديته ونزواته، اكتشاف كنز «علي بابا» صدفه في احد المنازل الريفية في بغداد وبداخله اكثر من نصف مليار دولار عدا ونقدا.. القبض على صهر صدام واخويه غير الشقيقين وزمرة من اعوانه.. ماذا يفهم من كل هذا التركيز الاعلامي الممزوج بالغموض حول اختفاء صدام او موته ومصير اعوانه وقد اصبح الجميع في خبر كان؟! الامر ليس عبثا لدى صناع الميديا الاميركيين الذين صنعوا حربا اعلامية اكثر حبكة من افلام هوليوود الحربية حيث يختلط الواقع بالاساطير، التكثيف الاعلامي المقصود في شغلنا بأين اختفى صدام، وماذا دار في بغداد عشية وغداة سقوطها في ايدى الاميركيين ليس شيئا عفويا، وان بدا انه كذلك. العراق تحت الاحتلال، تلك حقيقة لا يجب ان نغفلها او نتناساها، معاناة العراقيين اليومية بعد الانفلات الامني والفراغ السياسي وانعدام الرعاية الصحية والخدمات الاساسية شيء لا يمكن انكاره او الهروب منه. الخلافات وسط ممثلي ما يسمى المعارضة العراقية التي سارع بعض افرادها بتنصيب انفسهم ولاة جددا في هذه المدينة او تلك رغم انكار واشنطن دعم مثل هذه الوجوه، جانب اخر مما يدور على الارض العراقية في الحقبة الاميركية. الرئيس جاي غارنر وصف يوم وصوله بغداد باليوم العظيم للشعب العراقي وفي الشمال قال انه يشعر وكأنه في بيته وقبلها تجول الجنرال تومي فرانكس في احد قصور صدام في استعلاء وخيلاء المنتصرين، وهي رسالة لم تكن موجهة الى العراقيين وحدهم. التهديد الاميركي السريع لسوريا وان جرى احتواؤه مؤقتا رسالة علنية للعواصم العربية بأن رياح التغيير الاميركية ترقى الى العواصف التي لا يمكن الوقوف امامها وعلى الجميع واولهم من عارض الحرب على العراق، ان يعي حقيقة الاشياء، فقد شكل سقوط صدام مرحلة فارقة في تاريخ المنطقة مثلما كان انهيار برجى منهاتن في 11 سبتمبر 2001 علامة فارقة في السجل الاميركي ومن ثم العالم الذي يدفع اليوم فاتورة الغضب الاميركي. الصراعات ولا نقول التنافس بين الشركات الاميركية المحجوز لها نصيب الاسد والاوروبية التي تطمح في الفوز بالفتات من عقود اعادة اعمار العراق المدمر بفعل الحرب وسنوات الحصار الطويلة على اشدها... واشنطن سارعت بمنح الهبات والعطايا لشركاتها وخصت مجموعة «بكتل» بنحو 680 مليون دولار.. الشركات الصغيرة سواء في المنطقة او خارجها مدعوة للعمل من الباطن كجوائز ترضية او لازالة «الركام» الذي يتأفف الاميركيون من حمله بعد ان اختلط بالجثث وبقايا القذائف. ونأتي الى «الفرخة» التي تبيض ذهبا، وقد ركب الاميركيون امواج المحيط وعبر البحار والخلجان من اجلها.. النفط العراقي الذي يمثل ثاني اكبر مخزون في العالم.. هوة الخلاف بين الولايات المتحدة التي ترغب في الاستحواذ وحدها على آبار العراق الغنية والدول التي عارضت الحرب صاحبة العقود النفطية السابقة مع نظام صدام المنهار، لا يمكن ردمها بسهوله، والجدل القانوني والسياسي عمن يمثل العراق نفطيا تعكس عمق تعقد المشكلة. الدول المنتجة للنفط وخاصة «اوبك» تخشى من اغراق الاسواق العالمية بالنفط العراقي حال تولى الولايات المتحدة مسئولية ادارة النفط العراقي بعيدا عن اشراف الامم المتحدة التي تلح فرنسا وروسيا على اعطائها الدور المركزي في هذه القضية وكبديل للاشراف الاميركي على المبيعات ولضمان حقوقهما وهي مصالح تتعارض مع الرغبة الاميركية في ان يكون لها الكلمة الفصل. واشنطن لا تريد من الامم المتحدة في العراق سوى القيام بالدور الانساني بمعنى توزيع الاطعمة والبطاطين والخيام على العراقيين ممن دمرت الحرب حياتهم وفي السياق تأتي قضية رفع العقوبات المفروضة على العراق منذ 12 عاما. وما بين الجدل حول رفع فوري للعقوبات او تعليق فوري كما تقترح فرنسا يدخل العراق في دهاليز السياسة الدولية ولعبة المصالح الكبرى التي تتصارع جميعها على جثة وطن محتل. وفي اطار هذه الصورة المعقدة والمتشابكة التي تغلف المشهد العراقي محليا واقليميا ودوليا، يتم استدعاء شبح صدام والنفخ في لغز اختفائه للترويح عن النفس الاميركية اولا، والهاء العراقيين والعرب في المقام الاول للتغطية على ما يدور في الكواليس بشأن المستقبل الغامض للعراق. فحتى الآن لم نر اي شكل ولو تمهيدي لحكومة مؤقتة او خطوات لاعادة الاعمار والجنرال غارنر لم يضع لنفسه اي سقف زمني لانهاء المهمة التي جاء من اجلها. الوعود الاميركية للعراقيين بعسل الديمقراطية وحليب الحرية شيء، وواقع ان بلدا عربيا محتلا شيء آخر، والحرية التي ظل العراقيون يحلمون بها ربما لن تأتي بدون دفع ثمن باهظ يقنع الاميركيين ان شبح صدام ورقة استنفدت مبكرا وان العراقيين قادرون على حكم انفسهم دون مساعدة من احد وهو امر يحتاج حتى الآن لاثبات.