السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 كثيرة هي الصور التي تنهال مع الرماد المتساقط من سماء الحرب المنقشعة والاحتلال الجاثم على الصدر العراقي، صور تجمع الأشتات والتناقضات والمفاهيم المغلوطة والكذب، ممزوجا بسم الديمقراطية المزيفة، ومساكين أولئك الذين يصدقون انهم تحرروا، فلم يحصلوا سوى على تصريح بلطم الصدور والقفز على ما يمكن أن يسمى الحرية الحقيقية، إذ لابد من التساؤل أولا ما هي الديمقراطية التي يرقصون لها وما هي الحرية التي يريدونها والتي أحرقوا لها العراق بأكمله منذ ما قبل التاريخ حتى آخر تاريخ منهوب . عدا ذلك تبرز صور شتى بين تناقضات التصريحات الأميركية والأممية والدولية، ونجد أن هناك خائفين كثر من أشياء كثيرة ترتكن زوايا القرار الأميركي الذي تركز على ما يبدو في كف صهيوني لم يكد يطأ أرض الرافدين حتى قفز شارون البغيض إلى خطوة قد تقلب الطاولات جميعا، خطوة تدغدغ طموحاته المريضة بزيارة الأرض التي سبت أجداده، وكأنه لم يكتف بالخراب الذي أحدثه جنوده في العراق ذوي الرايات السوداء . كيف هو المشهد في العراق وحوله في إطار التسارع الأميركي لتعزيز وجوده وسيطرته لا على العراق فحسب بل في المنطقة العربية برمتها كما يعرف الجميع؟ الواقع الذي يطالعنا من شاشات التلفاز عبر مراسلين تنوعت مشاربهم واتجاهات وسائلهم الإعلامية السياسية يعزف على نغمة تحرر انحصرت في نقل وقائع كربلاء ومسيرات الشيعة لمرقد الحسين رضي الله عنه، وكرست في كل نبأ يأتي من هناك تفرقة دينية رفضها العراقيون أنفسهم، وقد حلا للأميركيين أن تترسخ هذه التفرقة فدعموها، ولعل هناك من يدفع بتكريس هذا الاتجاه عندما يكتب مباركا التحرر الطقوسي إن صح التعبير، رغم أن معظم الطائفة الشيعية في العراق مثقفون وبناة تاريخ، لكن الإعلام رسم كالعادة صورة خاطئة عبر تكرار المشاهد. مشاهد العراق والتحرير المزيف كثيرة منها الاعتقالات غير المبررة والتي لا تخضع لأي قانون سوى قانون الغاب الأميركي، وهي تدفع بالعراقيين إلى حافة هاوية أخرى وعهد ديكتاتوري جديد لا يختلف عن سابقه سوى بولائه للأميركيين، مثلما تدفع دول الجوار القريبة والبعيدة للبحث عن مصدات لأمواج المغول الجدد، وفي إطار ذلك يجييء المؤتمر الذي انعقد في الرياض، خاصة بعد التهديدات التي طالت سوريا وتتهيأ لضرب السعودية فمصر الجائزة الكبرى وفق التكتيك المعلن . العالم حول العراق مجندل كالعراقيين أنفسهم، بعضهم ينظر للاحتفالات الشيعية على أنها استعراض سياسي كبير يرسم صورة المستقبل العراقي ويتوجسون منه اكثر من التوجس الأميركي، فالمعروف أن الأميركيين ودول بالمنطقة لا يريدون امتدادا إيرانيا، لكنهم مع ذلك يدعمون رجالا من الشيعة كالجلبي ويدافعون عن لصوصيته بل وينصرونه بقوتهم المحتلة على الشعب العراقي معتمدين على الدعم الذي قد يشكله من اجل إقامة حكم تابع لواشنطن يؤمن قواعد عسكرية، رغم نفي وزير الدفاع الأميركي لذلك، لكن الذي لا يعرفونه أن الشيعة العراقيين هم أحفاد ثوار العشرين وهم أول من واجههم في الحرب غير المشروعة وهم أول من رفع شعار «عراقيون بلا تفرقة طائفية». والعالم ينظر إلى ما يمكن أن يحصل إذا فرضت أميركا احتلالها على العراق إلى ثلاث سنين، خاصة وان واشنطن سبق أن خرجت عن طوع الأمم المتحدة وقادت حربا غير شرعية على العراق، وهو ما يضع الجميع في حرج وهرج، فهناك مصالح دولية في العراق، إضافة إلى أنهم لا يعرفون كيف يواجهون الاعتقالات الأميركية غير المبررة وبأي تشريع أو وفق أي منطق فلا توجد هناك مذكرة دولية أو عراقية، ولا كيف يخرجون الشعب العراقي من أزمة أكبر من خطيرة وأميركا تسيطر تماما على العراق. الأمر الأشد خطورة هو رفع العقوبات الاقتصادية الذي يبدو انه سيأخذ جولة شد وجذب سياسيين، فالعقوبات لن ترفع بقرار أميركي بل هي مستندة قانونا على تقرير المفتشين الدوليين الذي يجب أن يقرر ان العراق خال من أسلحة الدمار الشامل، والمفتشون واقعون في الخوف من أن تدس واشنطن أسلحة دمار شامل لتبرر حربها اللاشرعية للعالم وهو ما يدفعها لرفض عودة المفتشين، لكنها لن تستطيع ذلك لفترة طويلة إذا ما أرادت رفع الحصار عن العراق. الموقف الدولي معقد إذن اكثر من تعقيده داخل العراق، فالعراقيون سرعان ما يستعيدون عافيتهم ويبادرون حكم أنفسهم وهم قادرون على رفض أي حكم مفروض من أي جنس أو لون، وقادرون على دحر العملاء وإخراجهم من المعادلة السياسية، وقادرون أيضا على مساومة أميركا، فإما أن تخرج أو يخرجوها كما أشاروا، لكن الأمر الأشد خطورة هو ما سيحدث في الأمم المتحدة، روسيا التي ستعارض استحواذ الأميركيين على النفط العراقي ولذا ستدفع باتجاه معارضة رفع الحظر الآن على الأقل وحتى تشكيل حكومة وطنية عراقية يعترف بها العراقيون والعرب والأمم المتحدة وتتم بانتخاب شرعي حر، وفرنسا ستمضي على خطى روسيا مع بعض التحفظ لجسر الفجوة مع الشريك الأميركي، وألمانيا ستلتزم السكوت المؤقت للفوز بعقود، وربما تنجح أميركا في عقد مساومة مع الروس والفرنسيين، وربما تضرب بالأمم المتحدة ودولها ومجلس أمنها عبر الحائط كما فعلت في خوض حربها على العراق. أما العرب فسينتظرون قياس وزنهم فان كان خفيفا في الريح الأميركية، سارعوا للاعتراف بأي حكومة واستمرار مسلسل التنازلات العربية حتى الخضوع التام، وإذا لمسوا فرصة شحذوا مبادرات لا تخرج بأي حال عن أن تكون تحت السقف الأميركي. الوحيدون القادرون على موازنة المعادلة الحرجة هم الشعب العراقي، ورغم أن أمنه غير المستتب حتى اللحظة والنهب الذي مازال يطال تاريخه مما يؤلم ورغم إن محنته اشد المحن على مر التاريخ، إلا انهم لن يخسروا اكثر مما خسروا، لقد أدركوا تماما ما يعني الخيط الرفيع الأحمر انه الفرق بين الحرية والعبودية بمختلف أشكالها وألوانها سواء عبودية ديكتاتور أم عبودية مستعمر.