الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 بحسب وثيقة سرية سلمتها الولايات المتحدة لاحدى دول الجوار العراقي، واطلعت عليها مخابرات تلك الدولة وعلقت عليها الصحف البريطانية قبل شن الحرب على العراق، فإن مدة بقاء الولايات المتحدة في العراق ـ بحسب الوثيقة ـ يمكن ان تستمر إلى سبع سنوات، ومن هنا يرفض مسئولو البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية الحديث الصريح والمحدد عن وقت رحيل القوات وعن موعد تسليم العراق لأهله!! وبرغم التسطيح الساذج والأقرب إلى الغباء والذي يتناول به البعض موضوع احتلال العراق من قبل القوات الأميركية ـ البريطانية مصورينه بالتحرير وتخليص أرض الرافدين من ديكتاتورية صدام حسين، ومن أسف ان هؤلاء عرب يدَّعون انهم ليبراليون وقوميون، وبأنهم محللون أو كتَّاب أو مثقفون، برغم ذلك فهم في الحقيقة لا يرون أبعد مما تحت أقدامهم، فمثالية التحرير وتخليص العراقيين من الطغيان والوعد بمنحهم الديمقراطية، ليست سوى دفعة تحت الحساب لعملية سطو منظمة على مستوى عالمي! فبينما نقرأ في «الغارديان» البريطانية مقالاً للكاتبة ناعومي كلاين تصف فيه «العراق الحر» على أنه «أكبر بلد تم بيعه على سطح الأرض» عن طريق الاحتلال ومشاريع إعادة الإعمار، يفاجئنا البعض ممن يدافع عن قوات التحالف محولاً إياها إلى جيوش تحرير في منتهى النبل أخرجت العراقيين من ظلام الديكتاتورية إلى نور الديمقراطية الأميركية، ومن تخلف القرون الوسطى إلى فضاءات القرن الحادي والعشرين وإلى أمجاد العولمة والخصخصة و...إلخ، دون ان يحاول النظر إلى ما وراء كتفيه ليرى عشرات الشركات الأميركية وهي تستولي على كل مرفق ومؤسسة وقطاع لتربطه بعقود دائمة من أجل إعماره أولاً، ومن ثم ادارته وتشغيله. نعم لقد اطاحت الحرب بنظام الطاغية صدام حسين، وانهت حكم عصابته المتنفذة والقابضة على أعناق العراقيين ومصائرهم وحياتهم، نعم بسقوط صدام الشخص والرمز والصنم سقطت الأقنعة وخرج العراقيون من مقابر الموت والخوف وكوابيس الرعب، لكنهم لم يحصلوا على صك الحرية هذا مجاناً، ولم تمنحهم إياه القوات الغازية بلا مقابل، لقد أخذت من حياة العراقيين الكثير، وكم من بيت في العراق لا تذهب إليه الكاميرات، ولا نسمع صوت أهله اليوم، يئن تحت ويلات الفقد واليتم والترمل، ومصابات وعذابات قاسوها خلال أيام القصف المرعبة على مدن العراق، هناك وطن تم تدميره كله، وبلا خجل نكتب في مديح المدمرين والغزاة. اليوم لا نستطيع ان نبقى أسرى علاقة السيد والعبد، فنقبِّل أقدام الأميركي الأبيض لأنه انقذنا من طغيان صدام، وليس من المنطق والعقل ان يكتب مثقفو الأمة مقالات المديح والامتنان لقوات غازية محتلة اجتاحت بلداً عربياً تحت ذرائع طوباوية، وقتلت مدنييه وأطفاله وأشاعت في أرجائه من السلب والنهب والتدمير ما أتى على بناه التحتية جميعها، وما أفرغه من ذاكرته وتاريخه بتدمير ثروته الفنية والآثارية والوثائقية والعلمية، وعليه فليس من العجب تلك المقاربات التي عقدتها الصحافة الغربية قبل العربية بين الغزو الأميركي وغزو المغول، وبين تدمير بغداد 2003 وتدميرها عام 1258 عام دخول هولاكو بعقيدة التفوق ومشروع الامبراطورية المغولية. الاميركان لم يحرروا العراق من صدام حسين ليمنحوا العراقيين الديمقراطية، ولم يأتوا من أجل النفط فقط، فذلك تبسيط ساذج لأكبر حدث وتحول جرى ويجري نسج خيوطه في المنطقة، المسألة ليست حادثاً كرنفالياً يستحق الفرح والاحتفال لأنه أسقط حجر دومينو في منظومة الديكتاتورية العربية مبشراً بسقوط أحجار أخرى، المسألة هي سرقة بلد بكل ما فيه، ومنحه بالقطعة للشركات الاجنبية ـ الأميركية تحديداً ـ المسألة ان العراق سيدار من قبل أميركا بدءًا من الصرف الصحي وميناء أم قصر وانتهاء بالمناهج والهواتف الخلوية وبنية الحكم والسياسة، السرقة هي سرقة (جمل بما حمل) كما يقول المثل، العراق كله بمياهه ونفطه وتاريخه، وانسانه، وجغرافيته، صار مسروقاً ومنه ستنطلق مشاريع مشابهة وربما بشكل أكثر خطورة في الجغرافيا العربية كلها التي يراد لها ان تعود إلى زمن الاحتلال والاستعمار من جديد. Aishasultan@hotmail.com