الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 أول مرة دخلت فيها «الأهلي» كان ذلك في ابريل من العام 1989 وكنت وما أزال آخر واحد في هذا العالم يحفظ الأرقام وتواريخ الأيام وحوادث السنوات، الا انني اتذكر زيارة الأهلي الأولى، لأنها كانت يوماً مشهوداً ومفصلاً مهماً وحزيناً في مسيرة صحافة الامارات وفي تاريخ الوطن ورجالاته. في ذلك اليوم كانت قاعة الأهلي الحمراء، تفتح أبوابها لغير الرياضيين الذين تعودوا الجلوس فيها كل مساء، انها في هذه المرة تتوسطها طاولة وميكروفون، وعلى الكراسي كتيب صغير موشح بالسواد كان ذلك المساء يصادف مرور أربعين يوماً على وفاة غانم عبيد غباش. كل الذين أحبوا غانم وكل الذين عرفوا غانم، كل أصدقائه، كل أهله، كل الذين سمعوا عنه، كانوا في قاعة الأهلي تلك الليلة، وأول مرة اشاهد جمهورا هكذا: زحاما، وحزنا، وألفة وحسرة على ذلك الذي غيبه الموت. صورة جمعة غريب الذي وقف يلقي كلمة في أخيه وصديق عمره، فزاد المتعبين وجعا بكلماته وبكائياته ما بين الكلمات المرسومة والصوت الخافت المتقطع. وصورة سماح غانم غباش، تلقي كلمات ابنة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها أخذ الموت والدها وقدوتها ومعلمها. والذي لحقت به سريعا. صورتان من بين صور رسخت في دواخلي، وجعلت لقاعة الأهلي وثقافيته مكانة في الذاكرة وفي القلب ايضا. دخلت الأهلي بعدها بسنوات، ذات القاعة الحمراء، وايضا لم اجد فيها مكاناً. واول مرة اشاهد في تلك الزيارة ناديا رياضيا «ذكوريا» فيه هذا الحشد من الجنس اللطيف ومن مختلف الجنسيات، كلهم جاءوا ليلتها ليستمعوا الى ابي فرات وهو ينشد «دجلة الخير». اشجاهم الجواهري الكبير تلك الليلة كثيرا، واتعبوه في طول السهر، فكلما سكت واقترب ان يودعهم، رجوه ان ينشد لهم وتمنوه ان لا يرحل عنهم. كان وقتها ضيفا على جائزة «سلطان بن علي العويس الثقافية» واحد الكبار الذين قدرتهم ونالوا الفوز بها. واختارت الجائزة ان تكون امسية هذه القامة الشعرية في ثقافية الاهلي لاهمية هذا المكان في الحركة الثقافية بالدولة. كان النادي الاهلي ولسنوات طويلة قد تمتد من منتصف عقد السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات واحداً من مؤسسات قليلة في هذا الوطن اهتمت ورعت ودعمت العمل الثقافي، وكان لها الريادة ليس على مستوى الاندية الرياضية، انما على نطاق المؤسسات الثقافية عموما في اثراء ورفد العمل الثقافي في مختلف فنونه وجنباته. ففي مجال الصحافة يسجل لها التاريخ ـ الذي لم يكتب و لم يوثق للاسف الشديد بشكل دقيق ـ انها قدمت عملاً مهماً تمثل في مجلة «الأهلي» التي انتظمت ومن ثم توقفت وعاودت الصدور اكثر من مرة، وكانت مشروعا اكبر منها مجلة ثقافية منوعة تصدر عن ناد رياضي يحمل السمة الثقافية، انها كانت مجلة تنويرية لها رؤية وعندها ما تضيفه وتقوله عن المجتمع، وللمجتمع في مختلف شئونه وقضاياه. فترأس تحريرها في احدى مراحلها شخصية مثل غانم غباش رحمه الله وشاركت فيها نخبة متميزة من المثقفين مثل: عبدالغفار حسين والدكتور عبدالخالق عبدالله، والدكتور محمد عبيد غباش، و عبدالعزيز خليل المطوع وعبد الحميد احمد وعلي عبيد واحمد عيسى وشوقي رافع وغيرهم. وجاءت تجربة مسرح دبي الاهلي لتضيف بعدا واهمية للدور الذي يمكن ان تلعبه الاندية في دعم العمل الثقافي والاهتمام بالطاقات الابداعية. فمسرح الاهلي يعد تجربة متميزة في فكرة انطلاقه من ناد رياضي. واستقراره وتطوره وتحوله الى مؤسسة لها كيان ولها مشروع وهدف، كتب لهذا المسرح النجاح والتفوق، ليكون واحدا من أهم المسارح على مستوى الدولة. وتبقى أسماء مسرحيات على وزن «حبة رمل» و«جميلة» وشخصيات ابدعت وتألقت واضافت للمسرح في الامارات مثل: ناجي الحاي وجمال مطر وعمر غباش. تبقى هذه الاعمال وهؤلاء النجوم شاهدا على نجاح مسرح الاهلي. وقدمت ثقافية الاهلي في سنوات متتابعة عملا لا يقل اهمية وقوة، حتى اصبحت بصمة الاهلي الثقافية ترتبط عندما يذكر، بهذا المشروع وهو (مهرجان التلفزيون المحلي) الذي استمر ست سنوات أو يزيد، قدم خلالها ثقافة تلفزيونية وتنافسا بين محطاتنا نحو برامج مجتمعية افضل، كان متميزا في ضيوفه وحيادية جائزته التي شُهد لها بذلك، وفي ندواته الفكرية. مثل هذا المهرجان ينقص تلفزيوناتنا التي تزايدت في السنوات الاخيرة والتي تراجع بعضها الى الطبقات السفلى من السطحية والضعف في كل شئونها، من نوعية البرامج الى مستوى التقديم الى اغفال وتهميش القضايا والموضوعات ذات البعد المحلي، وكأنها تبث من بيئة اخرى غير دولة اسمها الامارات، عندها هموم وقضايا وفيها فكر وثقافة وكفاءات. مهرجان التلفزيون المحلي كان ناقوسا يدق كل عام ينبه ويكشف ويفضح المستوى، وعندما توقف، غاب المحفزّ ورقيب الجودة عن بعض الفضائيات، وتناست الناس او لم تجد لها مكاناً لتسمع منه وتشارك في النقاش والنقد. تظاهرة هذا المهرجان، جعلت شخصية مثل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي يشيد وفي اكثر من حوار معه بأهلي دبي ودوره الثقافي، وتمنى حاكم الشارقة ان تحذو أندية الدولة الاخرى خطا الأهلي في دعم جانب الثقافة. لكن المهرجان غاب وانتهى واصبح من الماضي، مثل مجلة الأهلي، ومثل ذلك الزمن الجميل المشغول بالنشاط والحماس وفنون الفكر والثقافة الذي كان في أهلي دبي. هل لأن العمل الثقافي مرهق ماديا، ولا يحقق مردودا في هذا الجانب؟ هل لأن النشاط مرتبط بالاشخاص، فحماس رئيس اللجنة الثقافية انذاك جمال غباش الذي كان وراء مشروع مهرجان التلفزيون مثلا واهتمامه الشخصي باستمراريته ونجاحه، هل غياب الاشخاص المهتمين والمتحمسين للعمل الثقافي في الاندية هو السبب؟ هل هو بسبب تحول الاهتمامات وتغير نمط الحياة؟ سألت مرة رئيس مجلس ادارة الاهلي السيد قاسم سلطان التي كانت هذه الطفرة والاهتمام الثقافي في عهده وباهتمام ومتابعة منه، لماذا صمت الصوت الثقافي للأهلي، رغم توجه الامارة في الفترة الاخيرة لاثراء وتطوير العمل الثقافي فيها؟ رده كان: انني اشعر بالاسف ويراودني الحنين في حالات كثيرة الى تلك الايام وذلك النشاط واولئك الاشخاص. واشعر اننا قصرنا في النادي في فترتنا الاخيرة بهذا الجانب، لكنه حماس الاشخاص سواء على مستوى اعضاء الادارة أو روح الشباب من ابناء النادي او غيرهم من المتحمسين للنشاط الثقافي، فالحماس والرغبة هما المدخل لتصحيح المسار والعودة الى احياء الشق الثقافي في الاندية. عودة ثقافية الاهلي، وثقافية كل اندية الدولة، عامل مهم للنهوض من حالة الترهل والصمت في جانب العمل الثقافي والمجتمعي في الوطن بشكل عام. فلا يمكن ان ننهض ونكبر ونتطور من غير مشاركة وتجارب وثقافة وابداع، من غير ان تكون هناك اجيال بينها تواصل ولها امتداد. وتقارب او اختلاف، المهم الاتفاق على أهمية العمل التطوعي، واثراء التجربة. وضرورة ان تتوسع وتنضج هذه التجربة ونضيف لها بدل ان نتركها تتوقف، وتموت في صمت. shmitrif@hotmail.com