الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 أليس غريبا ان تتواصل مشاجرة سياسية على المستوى القيادي الاعلى للسلطة الفلسطينية لمدى اسابيع بشأن كيفية معالجة قضية المصير الفلسطيني دون ان تتلقى جماهير الشعب الفلسطيني نفسه ـ صاحب القضية الاصلي ـ أي بيان رسمي او بيانات رسمية متوالية عن الشجار وأسبابه؟ ربما كان ذلك غريبا حقا.. لكن الغرابة سرعان ما تزول عندما ندرك ان الخلاف ينطلق من مسألة غير مشرفة. فالذي تطالب به الشخصية القيادية التي ابتدرت الخلاف ـ محمود عباس ابو مازن ـ هو نزع سلاح فصائل المقاومة الوطنية، ابتداء من «كتائب شهداء الاقصى» التابعة لحركة فتح التي ينتمي اليها ابو مازن نفسه. ورغم اي تحفظ للنهج القيادي للرئيس عرفات نفسه فإن موقفه في هذا الخلاف ينبغي ان يكون محل تقدير اي فلسطيني او اي عربي، فالرئيس عرفات يرى ببصيرة ثاقبة ان اية محاولة لدفع القوات الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية لنزع اسلحة فصائل المقاومة التابعة لمنظمات فتح وحماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية سوف تقابل برد فعل مسلح من كوادر هذه الفصائل.. ورد الفعل المسلح سوف يؤدي بدوره الى نشوب حرب اهلية بين السلطة وفصائل المقاومة ـ اي بين السلطة وشعبها. والسؤال الذي يطرح هو : لماذا يسعى ابو مازن لوضع قوات السلطة في حالة مواجهة خطيرة مع فصائل مسلحة تناضل ضد الاحتلال الاسرائيلي؟ وحتى وان لم تعد مثل هذه المواجهة الى اشتعال حرب فلسطينية ـ فلسطينية فانها ستؤدي على اقل تقدير الى انشغال فصائل المقاومة بالدفاع عن بقائها على حساب واجبها النضالي الاصلي: تخطيط وتنفيذ عمليات مسلحة ضد الوجود الاحتلالي الاسرائيلي. ان تعيين ابو مازن رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية ليس اختيارا شعبيا ولان تعيينه جاء نتيجة ضغوط اميركية واسرائيلية فإن معنى ذلك ان يظل هذا الرجل مدينا لكل من جورج بوش وارييل شارون، وبالتالي فان «نجاحه» في منصبه سوف يكون محكوما بمعايير تحددها واشنطن وتل ابيب، وليس الشعب الفلسطيني. وقد حدد بوش وشارون بالفعل هذه المعايير بصراحة لا مزيد عليها، فرئيس الوزراء الفلسطيني امامه شهران من الاختبار ومدى نجاحه في هذا الاختبار هو مدى مقدرته في تصفية المقاومة الفلسطينية وفصائلها. ولكن يبقى سؤال: ما هي المكافأة التي ينبغي ان ينتظرها الشعب الفلسطيني في تصور ابو مازن مقابل التفريط في ورقة القوة الوحيدة التي بيده؟ «خريطة الطريق» التي يبشر بها ابو مازن الشعب الفلسطيني كما لو كانت ضوءا عند نهاية نفق ليست سوى وهم. وربما يراهن ابو مازن على مشروع «خريطة الطريق» صادقت عليه قوى دولية هي الاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة بالاضافة الى الولايات المتحدة لكن عندما يبدأ التطبيق فان ثلاثا من هذه القوى الاربع سوف تقصى لتنفرد اميركا واسرائيل بالجانب الفلسطيني ليس هذا مجرد استنتاج وانما هو ما تقول به اسرائيل نفسها على لسان وزير خارجيتها. وحتى قبل مرحلة التطبيق فان شارون شرع في ابداء «ملاحظات» على المشروع وبنوده تعكس الرؤية الاسرائيلية للمستقبل الفلسطيني، ولنأخذ مثالا: ينص المشروع على قيام «دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود مؤقتة ومرتكزات سيادية» عند نهاية العام الجاري. هنا يطالب شارون بشطب كلمة «مستقلة» وادخال عبارة «بعض المرتكزات السيادية» عوضا عن عبارة «مرتكزات سياسية». وتطالب الخطة اسرائيل بتفكيك المستوطنات حديثة العهد التي اقيمت منذ مارس 2001 وتجميد كافة النشاطات الاستيطانية بما في ذلك «النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة» وهذا مما تعتبره اسرائيل رابع المستحيلات بينما تواصل العمل في بناء مستوطنات جديدة حتى هذه اللحظة. والسؤال الاخير الذي يطرح هو: ألا يدرك محمود ابو مازن ـ بعد عشرة اعوام من المماطلة الاسرائيلية المنهجية منذ اتفاق اوسلو في عام 1993 ـ ان «خريطة الطريق» مصممة اميركيا واسرائيليا لكي تقود الى تكريس السيادة الاسرائيلية على فلسطين ارضا وشعبا تحت مسمى آخر؟ ان المرعب حقا ان الاجابة عن هذا السؤال هي: «بلى»!