الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 في منتصف شهر ابريل لعام 2003، تم عقد مؤتمر حول «الديمقراطية» في قطر. وخلال الاسبوع الثالث من شهر اكتوبر لعام 2002 احتضنت بيروت القمة التاسعة للمنظمة الفرانكفونية التي كان هدفها الأول العمل على ترسيخ الديمقراطية وتثبيت دعائمها. وهذان المؤتمران مجرد انموذجين لامثلة عديدة عن مؤتمرات وندوات مشابهة حول الموضوع نفسه. وبعد انتهاء حرب العراق، كثر الحديث بشكل لم يسبق له مثيل، عن الديمقراطية وعن نية اميركا تنشيطها وتوسيع رقعتها. وسواء كان هذا الزعم صحيحا، ام لم يكن، فإن من المؤكد ان الديمقراطية اضحت الان الشغل الشاغل للاوساط السياسية وهاجسها الدائم، وكأنها بذلك تعيد الى اذهاننا ذكرى الشاعر المتنبي الذي كان يوصف يوما بانه ماليء الدنيا وشاغل الناس. وسنحاول في هذا المقال ان نتقصى الاساس الاول أو البرعم الصغير الذي انبثقت عنه الديمقراطية، ونقصد به ظاهرة التعددية التي شاع مفهومها في وسائل الاعلام واجهزة الثقافة المختلفة، واصبحت تتردد على الالسن وتصل الى كل مسمع، على نحو متكرر، وهي اليوم مطروحة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية واللغوية والصحفية، ولكن الكثيرين مازالوا يجهلون ما تنطوي عليه هذه اللفظة من مدلولات بعيدة المدى ومضامين غزيرة المعنى وعميقة المغزى. فما حقيقة التعددية، وكيف نستطيع ان نبسّط مفهومها ونشرحها بطريقة توضيحية ترفع عنها غطاء الغموض وتزيل بعض التعقيد الذي لحق بها، حتى تخرج من دائرة الابهام الى ضوء الوضوح؟ نستطيع ان نقول، بصورة مبدئية، ان هناك امورا عديدة في حياتنا تتبدى لنا بأشكال متناقضة، فننظر اليها بمناظير يختلف الواحد منها عن الآخر. فإذا وضعنا، مثلا، احد الناس الذين نحبهم ونكن لهم مشاعر الود، في ميزان التقويم، فإننا لانرى الا صورته الايجابية وسماته المشرقة وصفاته الحميدة التي تتيح لنا نعته بالانسان الصالح وتؤهل للحكم عليه بطريقة تظهره بالمظهر النبيل السامي، اما اذا كنا نكره هذا الشخص، ونشعر بالحقد والضغينة تجاهه فاننا لا نجد فيه سوى العبوب التي لا تحصى، والمثالب، التي لا تقف عند حد. وهذا كله معناه، اننا نستطيع ان نقوم الشخص المذكور من زاويتين مختلفتين كل الاختلاف. فنحكم عليه بالايجابي، اذا اخذنا في الاعتبار صفاته الجيدة، ونصفه بالسلبية عندما ندخل في الحسبان خصائصه السيئة، وبهذا يكتسب حكمنا عليه سمة احادية ذاتية. وفي النتيجة لا نستطيع ان نعرف هل هو انسان طيب تسعد بذكره الاسماع، أم شرير لايشق له غبار. ويعود سبب فشلنا في الحكم عليه، الى اننا انطلقنا في ذلك من منطق احادي. وحتى نصل الى الحقيقة، لابد لنا من تغيير منهج التقويم، والانتقال من الحكم الذاتي الاحادي الى الحكم الموضوعي التعددي. وفي هذه الحالة علينا ان نعدد السمات الايجابية والسلبية للشخص، ونضعها جميعها في ميزان القياس، ثم نناقش مضمونها حتى نخرج باستنتاج يرجح كفة الايجابية، أو كفة السلبية. وحتى نفسر التعددية تفسيراً واقعياً وعمليا، دعنا ننظر فيما يحدث في مضمار القضاء، قالقاضي يستمع الى اقوال المدعي واقوال المدعى عليه، ثم الى اقوال الشهود قبل ان يصدر حكمه النهائي الذي يفترض ان يكون عادلا، ولو ان القاضي اخذ بإدعاءات المدعي أو المدعى عليه، وحدها، دون الجمع بينهما، لجاء قراره آحادياً، وبالتالي جائرا وغير منصف. وما ذكرناه حتى الان يتعلق بالاشخاص، وبحياتنا اليومية الاجتماعية. ولكن الامر يصبح اشد حساسية، عندما ندخل المعترك السياسي. وعلى سبيل المثال، فإن لكل رئيس دولة ايجابيات وسلبيات. ومن الخطأ ان نحكم عليه، وعلى مدى نزاهته من خلال قائمة محاسنه أو قائمة مساوئه، فحسب. بل لابد من مقاربته بالاستناد الى القائمتين معاً، وبالاستعانة بمناظير ومقاييس واحكام متعددة ومختلفة، واضعين جميع صفاته، الجيدة والسيئة معا، على المشرحة، حتى نصل الى حكم نهائي حوله. ودعنا الان ننتقل من خانة الزعماء الى خانة الظواهر السياسية الجدلية: فهناك مثلا ظاهرة العولمة التي يصفق بعضهم ويهلّل لها، بوصفها الطريق الى انصاف الشعوب الفقيرة المغلوبة على امرها وتحريرها من ربقة الاستبداد السياسي والعبودية الاجتماعية. بينما يتوجس منها آخرون وتغلي مراجل غضبهم لدى سماع اسمها، لانهم يرون فيها وسيلة لتحكم الدول القوية بالضعيفة وانتهاك سيادتها والسيطرة على اقتصادها واستغلال مواردها. وهكذا، فإن النظرة الذاتية الاحادية تعد العولمة، اما ملاكاً طاهرا، أو شيطانا مريدا. اما النظرة الموضوعية التعددية، فتقارب وتوازن بين سلبياتها وايجابياتها، وتحلل مقاصدها وتقيس نتائج تطبيقه حتى تخرج بحكم علمي يكشف النقاب عما اذا كانت فوائدها ام اضرارها هي الغالبة. والامر نفسه ينطبق على مسألة الحل السلمي للصراع العربي الاسرائيلي والذي يرى فيه فريق من الناس وسيلة لاستعادة الارض وتخفيض المصروفات الحربية وتطوير الاقتصاد، بينما يعده فريق آخر، عقبة في طريق الوحدة العربية القائمة على التواصل الجغرافي، وقبولاً بنصف الحقوق وتخليا عن النصف الاخر، ولكننا اذا سلكنا مسلك التعددية ونهجنا نهج التحليل والقياس والموازنة من جميع الجوانب، فاننا سنخرج بنتيجة حيادية تبين ما إذا كان من صالح العرب ان يركبوا مراكب التفاوض السلمي، ام أن يأخذوا بمبدأ القتال، بوصفه وسيلة وحيدة لاستعادة الحق. نخلص مما سبق الى ان العديد من الناس يحكمون على الظواهر، ويعالجون الامور، من خلال منظار واحد. وبطريقة تتناسب مع ذاتياتهم وخبراتهم ورغباتهم. ولكن هذا الاسلوب يؤدي الى اغلاق منافذ الحقيقة وسد الطريق امام معرفة ما يجري فعلاً على الارض، بدليل ان الكثيرين يقوّمون الظاهرة الواحدة نفسها بطريقة مختلفة، فبعضهم يرى ايجابياتها، وغيرهم لا يبصر الا سلبياتها. وبتعبير آخر، اذا كنت ارى في هذا الزعيم او اذاك، قائدا عظيماً وفذا، وانت تعده مقصرا او خائنا، كيف يمكن اذن الوصول الى الحقيقة؟ الحل يكمن، كما اشرنا سابقا، في تبني مفهوم التعددية التي تعني النظر الى الامور من مختلف زواياها، لا من زاوية واحدة. فهذا هو سبيل التعامل السليم والحكم السديد في مختلف الميادين وعلى كافة الصعد، لأنه يعرفنا بما لزيد وما لعمرو، وبما لنا وما علينا، ويحررنا من ذاتياتنا ويخرجنا من الشرانق الضيقة والسراديب المحاصرة، آخذا بيدنا الى عوالم الحقيقة والضياء والصدق. والأهم من كل ما سبق ارتباط التعددية ارتباطاً حميما بالديمقراطية وبدون هذه ، لا يمكن ان توجد تلك فالاثنتان صنوان متلازمان لا يفترقان، واذا اردنا ان نصل مستقبلا الى تحقيق الديمقراطية في الاقطار العربية، فان علينا بدلا من الوقوف مكتوفي الايدي ننتظر (عودة غودو)، ان نهييء المناخ المناسب لها، وذلك بتبني مبدأ التعددية، في كل منزع من منازع حياتنا، حتى نعتاد عليها فتصبح جزءاً من تعاملنا اليومي. وهكذا نجد ان هناك ارتباطا حميميا بين ممارساتنا اليومية وسلوكنا الاجتماعي من جهة وبين ادائنا السياسي، من جهة ثانية. وهذا يعني ان الطريقة الاجتماعية التي نتعامل بها مع بعضنا بعضا، تنعكس في نهاية المطاف، وبصورة بطيئة وتدريجية، على مجمل حياتنا السياسية. وبعد، فإننا في هذا المقال، لم نتناول التعددية بالتحليل المنهجي المفصل، ولم نتعرض لظواهرها المختلفة، مثل تعددية الاحزاب والحكم الائتلافي والتعددية الاقتصادية وغيرها، وانما قصدنا، بالتحديد، تبسيط مبدئها وشرح انموذجها الاجتماعي البسيط، الذي يشكل البذرة الاولى التي تنشأ عنها التعددية السياسية، والتي هي ابنة الديمقراطية. ـ كاتب سوري