الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 التناقض بين القول والفعل، أو التناقض بين الشعار والممارسة الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية أصبح مثيرا للسخرية، والرثاء في بعض الأحيان، اكثر منه مثيرا للحيرة، لأن الحيرة يمكن أن تنتج عن حادثة معينة، أو واقعة يحدث فيها فصام بين الشعار والممارسة الفعلية لمرة أو مرتين، ولكن من كثرة ما اعتدنا على هذا الفصام في الممارسة الأميركية في سياساتها الخارجية، وبشكل خاص فيما يتعلق بنا، وبغيرنا بالطبع من دول العالم الثالث، ولكن الممارسة الأميركية تجاهنا تجعلنا نشعر بالسخرية، وتنطلق ضحكاتنا ملء أفواهنا عندما نسمع مسئولا أميركيا يقول شيئا له علاقة بسياسة بلاده فيما يتعلق بما يجري في العالم الثالث، أو المتخلف بوجه عام. بل أن تلك السخرية من التناقض الأميركي بين الشعار والممارسة أصبحت تثير استهزاء الكثير من قطاعات الجماهير في أوروبا الغربية التي تحاول الولايات المتحدة خداعنا بادعاء تأييدها لها، وانتقل هذا الحس الساخر من الجماهير الغربية إلى كثير من المراقبين والمعلقين السياسيين الغربيين الذين يجدون فسحة من الوقت، أو مساحة زمنية، أو مكانية في وسيلة إعلامية لا تزال تتمسك بتطبيق جزئي للشعارات التي تعيش في ظلها المجتمعات الغربية، والتي تحاول واشنطن الادعاء بأنها حامي حماها في عالمنا المعاصر. بدأت الولايات المتحدة حملتها المغرضة ضد الشرق العربي، بدءا بغزو العراق لأن بغداد وسقوطها في الحقيقة ليس سوى البداية، وهناك ضحايا سيأتي دورهم على هذا الطريق نفسه، رافعة شعار الحرية، مستخدمة فصامها الدائم بين شعاراتها وممارساتها في سياساتها الخارجية، وادعت أن غزو العراق وتدمير بنيته الأساسية ومعالم حضاراته خطوة أولى من أجل «تحرير» شعبه، أسمت غزو العراق تحريرا، بخلط واضح بين الشعارات والأهداف المعلنة خلف كلمات رنانة عن الحرية والديمقراطية لتخفي الهدف الحقيقي والخفي. انفصام متجدد غزو العراق المعروف في الشعارات الأميركية باسم «التحرير» لن يكون الأخير بالطبع في هذا الفصام الدائم في شعارات السياسة الخارجية الأميركية وتطبيقها، وبالطبع لم يكن الأول من نوعه، لأن تلك السياسة لا تفرق في الممارسة بين وطن وآخر أو شعب وآخر، فهي ترى أن كل شعوب العالم سواء، عدا شعبها بالطبع الذي يتمتع باستثناء خاص، وبشكل خاص الجزء المنتمي إلى فصيلته «البيضاء»، بل وليست الفصيلة البيضاء فقط، بل الاستثناء للفصيلة البيضاء المنتمية إلى أوروبا الغربية، أي أبناء وأحفاد المستعمر القديم (!). إذا كانت ذاكرتنا تنسى أحداثاً ماضية تحت وطأة أحداث آنية وساخنة، فإن الكاتب المكسيكي المعروف «كارلوس فوينتيس» ذكرنا قبل أيام قليلة بعنصر جديد في الفصام الأميركي عن تطبيق السياسية الخارجية، وهو عنصر يجب الالتفات إليه ووضعه في الحسبان: لا صداقة في العلاقة مع الولايات المتحدة، وشعار جورج دبليو بوش «من ليس معنا فهو ضدنا» كان قائما دائما في علاقة الولايات المتحدة بغيرها من شعوب العالم غير الأوروبي الغربي، لأنها سياسة مارسها أيضا رؤساء أميركيون سابقون، ولكن الجديد في هذه السياسة أن جورج دبليو بوش قرر التفرد بين سابقيه بسحب هذا الشعار حتى على شعوب وحكومات أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا، وربما ينضم هذا العنصر إلى تلك السياسة لخلفاء جورج دبليو بوش، لأن هناك العديد من المفكرين الداعمين لفكرته تلك وغيرها من الأفكار المتطرفة بدأوا «ينظرون» بالفعل لهذه الأفكار، ويحاولون نسبها إليه لعل التاريخ يذكر له شيئا غير أنه الرئيس المنتخب بأقل عدد من الأصوات، وأن جزءا من تلك الأصوات مشكوك في صحتها. غزو العراق وما سبقه من ممارسات أميركية، يذكرنا كما قال الكاتب المكسيكي المحنك في أعمال الدبلوماسية، لأن كارلوس فوينتيس احتل العديد من المناصب الدبلوماسية في وزارة الخارجية لبلاده، ويعرف الكثير من أسرار العلاقات الدولية وبشكل خاص علاقات الولايات المتحدة بدول مجاورة لبلاده، يذكرنا بما حدث مع الثورة الكوبية التي قادها فيدل كاسترو، الذي لم يكن في بداياته «شيوعيا»، بل أن الحزب الشيوعي الكوبي اتهم كاسترو مع بداية الثورة بأنه يرفع شعارات «برجوازية»، وهو توجه لم يكن كاسترو ينفيه، بل كان يؤكد عليه في إطار الحفاظ على حرية وتقدم بلاده، فلم تكن تعنيه الشعارات ولا التوجهات الأيدلوجية، بقدر ما كانت تعنيه أفكاره المجردة عن الحرية والكرامة والرفاهية، ولا يعنيه اسم الشعار الذي يمكن من خلاله تحقيق هذه الأهداف. من هنا كانت أول زيارة يقوم بها فيدل كاسترو بعد نجاح الثورة الكوبية هي زيارة الولايات المتحدة الأميركية بحثا عن دعم الرئيس الأميركي ايزنهاور، لكن رفض الرئيس الأميركي مقابلة كاسترو، أرسل إليه ابرز قضاة محاكم المكارثية آنذاك «نيكسون» ليصافحه ببرود يدل على رفض أميركا لأي صداقة غير «غربية» لا تكون في إطار الخضوع، والخضوع الكامل وحده، وفي إطار هذا الخضوع يجب التخلي عن أي أفكار تتعلق بالحرية والكرامة الفردية أو الوطنية، لأنها وان كانت تدخل في إطار شعارات ترفعها واشنطن في وجوه العالم أجمعه، إلا أنها عند الممارسة يجب أن تبقى مجرد شعارات ويحل محلها الخضوع الكامل. أميركا لا تقبل شركاء أو أصدقاء، بل هي حريصة على أن يكون لها تابعين، والشاطر من يبدي خضوعا أكثر ليحتل، فقط، مرتبة متقدمة في التبعية. ازدواجية صارخة تذكرنا هنا للحالة الكوبية لم يكن فقط لأن الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس استخدمها كمثال على الفصام بين الشعار والتطبيق في السياسة الخارجية لواشنطن، ولكن تذكرنا هنا لكوبا والعلاقة الشائكة القائمة بين كوبا والولايات المتحدة منذ أن فشلت زيارة كاسترو إلى واشنطن عام 1959 في الحصول على تطبيق وممارسة تتطابق مع الشعارات الأميركية، هذا التذكر جاء نتيجة تلازم حالة الغزو الأميركي للعراق الذي أسمته واشنطن «تحريرا» ليتماشى مع الشعارات، وما تلاه من تهديدات لدول أخرى تريد علاقة متوازنة وان كانت لا تقوم على الندية، لأن الندية بين دولة صغيرة والدولة الأعظم في الكون أمر مستحيل، بل مطلوب فقط أن تقوم على الاحترام للدولة الصغيرة وحق شعبها في اختيار توجهه الأيديولوجي الذي تكفله المواثيق الدولية بما فيها وثيقة «حقوق الإنسان» التي تدعي الولايات المتحدة أنها كانت دافعها الأول في «غزو» العراق لتحرير شعبه من نظام صدام حسين «الدكتاتوري». ما حدث خلال غزو العراق من ممارسات لاإنسانية: تدمير المستشفيات وقتل الأبرياء واستخدام أسلحة القنابل العنقودية المحرمة دوليا، واسر المدنيين بادعاء أنهم «جنود» متخفون في ملابس مدنية، ومعاملة الأسرى العسكريين العراقيين بما لا يتفق مع المواثيق الدولية، كل هذا أغمضت الإدارة الأميركية أعينها عنه وكأن الجيش الذي غزا العراق ينتمي إلى كوكب آخر، لتتهم نظام كاسترو بخرق المواثيق الدولية وتطالبه بقبول لجان تحقيق وتفتيش لمتابعة تطبيق «حقوق الإنسان» في كوبا. وبما أن ما لا تراه أعين الإدارة الأميركية التي اعتادت على الإصابة بحول «الفصام بين الشعار والتطبيق في سياستها» فان أعينا أخرى على هذه الكرة الأرضية شاهدت تلك الممارسات، ودفعتها هذه الرؤية لاتخاذ مواقف بالضرورة لا تتطابق مع الرؤية الأميركية القاصرة التي تفرق بين ما يحدث في الواقع وشعاراتها التي ترفعها. إذا كان غزو العراق نتيجته القاصرة انتهت بنصر عسكري أعرج لأن الهزيمة السياسية، برغم محاولة إخفائها، كانت كاملة، فإن هزيمة سياسية جديدة لحقت بالولايات المتحدة بعد أيام قليلة من دخولها بغداد مجللة بعار «الاستعمار»، لأن هناك من لا يزال يتجرأ ويقول لواشنطن «لا» برغم الفارق الشاسع للقوة، فقد استطاعت كوبا أن تلحق بالولايات المتحدة هزيمة سياسية جديدة في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ولم يكن نظام كاسترو في حاجة لبذل الكثير من الجهد والوقت لتحقيق هذا النصر الجديد، وإضافة هزيمة جديدة لواشنطن. أسئلة متعسرة لأن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش أعدت لنفسها هذه الهزيمة منذ أكثر من عامين، وكأنها كانت تحفر لنفسها الحفرة التي تريد أن تسقط فيها، وذلك من خلال الممارسات اللاأخلاقية واللا قانونية والتي تتنافى مع القوانين الدولية وتخالف كافة المواثيق التي وقعت عليها الولايات المتحدة نفسها بما فيها وثيقة حقوق الإنسان، التي كانت ولا تزال تطبقها على عدد «غير معروف» من المواطنين الأميركيين الذين تم اعتقالهم وسجنهم بلا سند قانوني أو أدلة مادية سوى أنهم ينتمون لأصول «عربية،» مما جعلهم في إطار الاشتباه في «مشاركتهم» في أحداث 11 سبتمبر. ثم كانت ممارسات الإدارة الأميركية ضد «أسرى» حرب أفغانستان الذين تم نقلهم من بلادهم والزج بهم في سجون لا آدمية بقاعدة «جوانتانامو» التي تحتلها الولايات المتحدة في كوبا نفسها منذ أكثر من قرن، هؤلاء الأسرى ممنوعون من ممارسة أبسط حقوق الإنسان، وهو حقهم في معرفة الاتهام الموجه إليهم، وحقهم في دفاع قانوني عنهم، وحقهم في الحصول على زيارات ممثلين عن الصليب الأحمر الدولي المنوطة به رعايتهم طبقا للمواثيق الدولية. هذه الممارسات الأميركية دفعت بعدد كبير من الدول الثلاث والخمسين الأعضاء في لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى أن يطرحوا سؤالا صغيرا على أنفسهم قبل اتخاذ موقف محدد: هل دم المواطن العراقي البريء الذي أراقته قوات الغزو الأميركي أقل أهمية من مثيله من مواطني العالم لتهتم الولايات المتحدة بحقوق مواطني دولة أخرى مثل كوبا وتطالب بالتحقيق في أوضاعهم؟ أو أن المواطن الأفغاني المعتقل بلا أدلة في سجون جونتانامو الأميركية أقل قيمة من مواطن آخر من أي دولة أخرى، كوبا أو سواها، لتطلب واشنطن تدخل لجنة حقوق الإنسان لإنقاذه، بينما ترفض مجرد تقديم قائمة بأسماء المعتقلين لديها وبيان بأدلة اتهامهم؟ هذه الأسئلة والإجابة عليها دفعت عدداً كبيراً من الدول الأعضاء في لجنة حقوق الإنسان، وكثير من تلك الدول أصدقاء لأميركا، إلى التصويت ضد المطالب الأميركية، فكانت هزيمة سياسية جديدة لواشنطن، تضاف إلى سجل هزائمها في تلك اللجنة، ولتفتح الأعين على أسلحة جديدة يمكن بها مواجهة الولايات المتحدة، وإشارة على أن هزيمة واشنطن ممكنة، إن لم يكن بالسلاح العسكري فإنها ممكنة بأسلحة أخرى. ـ كاتب مصري