الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 اثق بأن كثيرين مثلي تحتل فكرهم ووجدانهم، في صحوهم ونومهم مشاهد العراق، والكارثة المروعة التي تجتاح شعبه وتراثه الحضاري ومنجزات اجياله وعمران مدنه ذات الاسماء المتجذرة في اعماق الروح، الموحية بوقائع التاريخ. تتردد في الليل والنهار اسماء مدن العراق، فيغمر الفكر والقلب فيضان الذكريات والتاريخ، وهذا كان شأنها دائماً، حتى قبل الكارثة الحالية. وقد عبر عن ذلك ابدع تعبير الاديب والشاعر الكبير الدكتور عبدالوهاب عزام، حين زار بغداد سنة 1939 فكتب عنها: «قضيت اول ليلة لي في بغداد هائماً في احلام التاريخ، يخيل الي تارة اني ذاهب لأرى موكباً من مواكب الخلفاء، او اقف بباب «قصر الخلد» لأرى الوافدين على القصر والخارجين، وتارة اتوهم اني سائر في دروب بغداد اسأل عن دار ابي حنيفة او احد صاحبيه، لأشهد مجالس الفقه. ومرة اراني مسائلاً عن دار الحكمة لأشهد المترجمين فيها والنساخ، واخرى محدثاً نفسي: ترى اين دكاكين الوراقين؟ وقد اعود من طريقي الى دار احد ائمة الكلام، مبادراً الى مجلس ابي نواس وأضرابه من الشعراء، فتسرع بي الفكاهة الى السؤال عن دار ابن الرومي لأرى كيف يتشاءم من جاره الاحدب. ثم اراني سائراً الى النظامية لأرى الغزالي في درسه، او الى المستنصرية لأرى كيف يعيش طلاب العلم بها. وبينا اسأل احد المارين: اين بالكرخ سويقة غالب التي نزل بها المعري حين قدم بغداد؟ اذا بي اسأل: اين دار علي بن حمزة البصري التي نزل بها ابو الطيب المتنبي؟ ولقد اشهد في طرفة عين الرشيد قافلاً من غزاة، والمعتصم متأهباً لفتح، وثورات الجند على الخلفاء وجيوش البويهيين والسلاجقة رائحة غادية، ثم جيوش التتار مدمرة مخربة». هكذا قدم الدكتور عبدالوهاب عزام غيضا ـ لكن ذا مغزى ـ من فيض بغداد، وعبر عن بعض شعور من يزورها، وبعض ملامح تاريخها الحافل المثير. وبغداد ـ كما هو معروف ـ انشأها الخليفة ابو جعفر المنصور سنة 144 من الهجرة، ودعاها «مدينة السلام» اضافة الى «السلام» الذي هو اسم لنهر «دجلة»، كما عرفت باسم «دار السلام»، وباسم «الزوراء»، وذلك لازورار اي ميل في قبلتها. اما اسم «بغداد»، فيروى انه اسم قرية صغيرة كانت في موضعها، واصله فارسي مكون من كلمتين: «بغ» وهو صنم او إله من آلهة القدماء، و«داد» ومعناها: عطاء او هبة. ويقال في هذا الاسم صيغ عديدة منها: بغدان، وبغدام، وبغذاد.. وقد ذكرت معظم هذه الاسماء في ديوان الشعر العربي. فمما ورد فيه اسما «بغداد» و«الزوراء»، مرثية تقي الدين التنوخي لها عقب كارثة المغول المروعة، حيث استهلها بقوله: لسائل الدمع عن «بغداد» اخبار فما وقوفك والاحباب قد ساروا؟ يا زائرين إلى «الزوراء» لا تفدوا فما بذاك الحمى والدار ديار ومن ظريف الاشعار التي ذكرت «بغداد» و«دار السلام» ما انشده الخفاجي مداعباً أهلها، حيث قال: وفي «بغداد» سادات كرام ولكن بالسلام بلا طعام فما زادوا الصديق على سلام لذلك سميت «دار السلام» ومما ذكر فيه اسم «بغدان» قول الكسائي: فيا ليلة خرس الدجاج طويلة «ببغدان» ما كان عن الصبح تنجلي واشهر من ذلك، النشيد القومي الذي اشتهر على ألسنة طلائع الحركة القومية العربية، ومطلعه: بلاد العرب أوطاني من الشام «لبغدان» ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان وقد انشئت بغداد على الجانب الغربي من نهر دجلة، ثم انشئت على الضفة الشرقية ضاحية جميلة اطلق عليها اسم «الرصافة» (بضم الراء)، واقيم بين «بغداد» و«الرصافة» جسر خشبي، صار متنزه الناس. وقد ذكر «الرصافة» والجسر الشاعر علي بن الجهم في مطلع رائيته الرقيقة الشهيرة، فقال: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري