الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 في عام 1994 جلس شيمون بيريز وكان وزيراً لخارجية حكومة اسحاق رابين الاسرائيلية مسترخياً في أحد مقاهي مدينة الدار البيضاء المغربية على هامش المؤتمر التطبيعي الأول بالمنطقة ليقول لنخبة من السياسيين والمفكرين العرب والاسرائيليين ما نصه «ان المنطقة العربية ممثلة بالجامعة العربية جربت العديد من أنواع القيادة خلال السنوات الخمسين الماضية، وكلها كانت تجارب فاشلة، والآن فقد آن أن تجرب هذه المنطقة قيادة اسرائيل»!! كثيرون من العرب تصدوا لأحلام بيريز وخطط دولته، وأبرزهم كان عمرو موسى الذي كان وزيراً لخارجية مصر، لكن منصبه الذي استمر من عام 1991حتى 2001 فرض عليه ما يمكن تسميته بـ «توازنات السياسة»، وعندما تحرر من هذه القيود وبعد اختياره أميناً عاماً للجامعة العربية وسط اجماع شعبي ورسمي ـ قلما يتكرر ـ تحول موسى إلى ما يشبه الممثل للضمير العربي ولصوت البسطاء في الشوارع العربية. الآن تتعرض الجامعة العربية وعمرو موسى لحملة شرسة وهجوم ظالم لم يسبق لهما مثيل من «كل من هب ودب» وفجأة أصبحت الجامعة وأمينها العام هي الشماعة التي يتم عليها تعليق كل الهزائم والخيبات والنكسات والمشاكل العربية من الفقر والبطالة وتلوث البيئة إلى نكبة فلسطين واحتلال العراق وتفكك العرب. الاتهامات الموجهة للجامعة وموسى صنفان.. الأول لا يستحق عناء الرد وهو أقرب إلى توصيف «حسن النية» لأنهم وجدوا الجميع يهاجمون موسى فقرروا ركوب الموجة.. اتهاماتهم متهافتة، وحتى كتاباتهم كانت مفككة وركيكة، وهذا الصنف يحتاج إلى الشفقة اكثر من الهجوم لأنه ببساطة جاهل بصورة تغنيه عن كل علم. الصنف الثاني هو الأخطر، لأنه أولاً ضم بعضاً ممن كنا نكن لهم بعضاً من الاحترام، كانوا عروبيين بصورة فجة وزاعقة، وفجأة وجدناهم ينزلقون في نفس مركب شيمون بيريز .. وسواء كانوا يدركون أو لا يدركون فإنهم يلعبون نفس اللعبة الأميركية الاسرائيلية، حينما يتخفون تحت ستار مهاجمة موسى لهدم الجامعة، هذا الصنف ينبغي فضحه وكشفه حتى لا يستمر في مخططه الهدام. يقول المهاجمون أن الجامعة هي السبب في كل ما حل بنا من مصائب وكوارث وانه لا سبيل لاصلاحها سوى هدمها، وان أمينها العام صدامي الهوى، وأنه كان منحازاً في جلسات الجامعة التي سبقت الحرب الأخيرة لدرجة أنه أصدر بياناً باسم الدول العربية دون مشاورتها، كما انه وصف الحرب بالعدوان وطالب العراقيين بمقاومة الغزاة، كما انه حرض السوريين على عدم الرضوخ للتهديدات الأميركية. هذه الاتهامات لا تصمد أمام أي مناقشة موضوعية، كما انها لا تحتاج لاجهاد الذهن من أجل تفنيدها، وأي طالب في العام الأول في كلية للعلوم السياسية أو حتى مجرد متابع عادي للأحوال العربية لا يجد صعوبة في نسفها! لو قرأ هؤلاء ميثاق الجامعة لأدركوا ان الجامعة لا تملك جيشاً جراراً لتحرير الأراضي السليبة، مثلما لا تملك جهازاً أمنياً قمعياً كي تعاقب منتقديها، كما ان الجامعة بحكم ميثاقها هي محصلة لمجموع ارادات البلدان العربية خاصة الدول الكبرى منها وقراراتها تصدر بالاجماع، وبالتالي فإن أمينها العام لا يملك مطلقاً سلطة اصدار قرار أو بيان، فهل قام موسى بوضع «حاجة صفراء» في مشروبات وزراء الخارجية العرب لكي يقنعهم بمعارضة الحرب أو وصف ما حدث بأنه «عدوان»؟ ثم هل ما حدث كان مجرد نزهة لصيد الطيور في الصحراء العراقية، أم عمل غير شرعي طبقاً لتوصيف كل بلدان العالم ما عدا أطراف العدوان؟! هل كان مطلوب من عمرو موسى أن يرحب بقدوم «قوات التحرير الأميركية البريطانية الصديقة» ويدعو الجنرال تومي فرانكس أو غاي غارنر لحضور القمة العربية المقبلة ممثلاً لـ «دولة العراق الشقيقة» ؟! هل كان مطلوب من الجامعة وعمرو موسى ان يذهب فوراً إلى دمشق ويقنعها بالاستجابة لكل التهديدات الاميركية والاسرائيلية، أم يتصرف حتى مثلما تصرفت بريطانيا حليفة أميركا حينما رفضت تهديدات واشنطن غير المنطقية لدمشق؟! يقول المهاجمون أيضاً ان الجامعة وأمينها اكتفيا بالمطالبة بمنع الحرب ثم لم يفعلا شيئاً! يا سبحان الله.. فرنسا وروسيا وألمانيا والصين وغالبية دول العالم الكبرى والصغرى رفضت الحرب أيضاً وأدانتها ولكنها لم تستطع الوقوف في وجه الآلة العسكرية الاميركية المجنونة، فهل نلوم موسى انه لم يحرك قاذفات وصواريخ الجامعة بعيدة المدى؟. أم نلوم الدول التي لم تحرك جيوشها و«أسلحتها المركونة في المخازن».. يتحدث هؤلاء عن ضرورة الاستجابة لموازين القوى وتوازنات السياسة لكنهم ينسون أيضاً ان هناك شيئاً اسمه الكرامة!! يخلط المهاجمون بلؤم يحسدون عليه بين كل من يعارض حرب العراق ثم احتلاله بأنه صدامي الهوى.. ويصرخون إذا كشفهم أحد بالقول: «الحقونا.. صدامي الهوى هنا» وهو نفس ما فعلوه مع موسى أيضاً.. ومبلغ علمي من خلال متابعة دقيقة لتصريحات وآراء الأمين العام ان نموذج صدام حسين هو آخر من يمكن لعمرو موسى ان يعجب به. الآن وقد ذهب صدام غير مأسوف عليه من الجميع، لنسأل هؤلاء.. ماذا ستفعلون.. هل تستمرون أيضاً في مهاجمة كل ما هو عربي وتطالبون ربما بنقل الجامعة إلى تل ابيب؟ ام تسألون حلفاءكم الجدد عن أجندتهم القادمة وجدول تنقلاتهم بالمنطقة والدولة التالية في الاحتلال بعد العراق؟.. وحتى اذا تذكرتم مواقفكم القومية السابقة وطالبتم اصدقاءكم بالخروج.. ترى هل يستجيبون لكم؟! هل يصح ان نعلق كل أسباب خيبتنا على شماعة عمرو موسى لمجرد اننا لا نستطيع الاشارة إلى المتهمين الحقيقيين الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه!! من حق كل عربي ان يتفق او يختلف مع عمرو موسى فهو ليس فوق مستوى النقد، ومن حق الجميع ان ينتقد أداء الجامعة العربية، ويطالب بتطويرها، لانها أيضاً ليست كياناً مقدساً، وموسى نفسه اكد ان بقاء الجامعة أو غيابها ليس المشكلة.. القضية هي كيفية حماية المصالح العربية الاستراتيجية العليا، بغض النظر عن الشكل الذي يبلور هذه المصالح.. لكن ان يتحول الهجوم على موسى إلى ستار لهدم الجامعة العربية من أجل ضم إسرائيل كما اقترح البعض أو تحويلها إلى منتدى اقليمي كما يطالب البعض الآن بضم دول الجوار اليها.. فتلك هي الكارثة!! أحوالنا وأوضاعنا العربية لا تحتمل «حفلات وولائم الردح» الجارية الآن ضد بعضنا البعض، فالكوارث الفعلية المحيطة بنا تكفي وتزيد.. اختلفوا مع موسى أو طالبوا بتطوير الجامعة كما تريدون شرط ان تؤكدوا لنا انكم مازلتم في الجانب العربي.. لكن رجاء لا تلعبوا لعبة إسرائيل! صحيح ان شرق اوسطية بيريز تهدمت تحت هدير دبابات باراك وجرافات شارون وصواريخ موفاز، لكن المخطط لم ينهار تماماً، بل تلقى ضخ المزيد من الدماء في عروقه المنتفخة بعدما حدث في العراق. موسى مفوه بما فيه الكفاية للدفاع عن نفسه ضد بعض الشتائم والبذاءات، لكن ما يعنينا هنا هو الدفاع عن آخر ما تبقى من رموز هويتنا وهي الجامعة التي نخشى يوماً أسود يصبح فيها أمينها العام هو فرانكس أو غارنر أو ربما بيريز نفسه؟!