الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 أنا من الذين يحسون بالارتباك في هذه الأيام، وأظن أنهم كثيرون.. ومنذ الأسبوع الماضي وأنا أريد أن أكتب عما شاهدته في حياتي من أحداث عامة وربما خاصة. ولست بحاجة لأن أقول لك أنني أحصيت المآسي فوجدتها لا تعد، وبحثت عما يسر القلب فوجدته أندر من الكبريت الأحمر كما كان العرب يقولون. ولذلك تيقنت أن نظرية أن الدنيا حلو ومر لا تنطبق علينا في هذا الزمن. رأيت الصورة سوداء، وفتشت فيها عن ملمح وردي أو حتى شبه وردي، فلم أجد. وعدت الى قاعدة وضعتها لنفسي عندما بدأت شرف المشاركة في كتابة «الاستراحة» وهي ألا أكون عامل نكد للقارئ. فإذا كان الكاتب يستريح هنا.. فمن حق القارئ أيضا أن يستريح من مطالعة المصائب. لذلك قررت أن أكف عن استعراض ما رأيته وأردت أن أحكيه لحفيدي وللقارئ معا. وكان القارئ أكرم فلم يدخلني في زمرة الخديو عباس حلمي، أما حفيدي فلقد رأى أن جده قديم ومن الممكن ـ هكذا قال ـ أن يكون صديقا للخديو. قررت أن أغلق هذه الصفحة ويبدو أنها أكبر الصفحات وأكثرها زحاما، وقلبت الصفحة فإذ هي صفحة الوظائف. ولا أدري لماذا أنا مشغول بالوظائف الى هذا الحد. ربما لانتشار البطالة بين الشباب.. وأنا الآن لا أذهب الى مكان الا وأنا مستعد لانقضاض شاب علي أو قريب لشاب يقدم لي ورقة ويطلب مني أن أقدمها لوزير كذا لأن الشاب تخرج منذ سنوات ولا يجد عملا.. وهم يثقون في قدرتي على الحصول على الموافقة من معالي الوزير. وأصبح من الكلام الخائب الذي لا يصدق أن أقول لهم انني لا أقابل أي وزير الا بالصدفة، ولا أظن أنني قادر على اقناعه بشيء. واذا لم يكن هذا هو سبب اهتمامي بالوظائف، فسيكون الأمر محرجا. لا أظن أنني في هذه السن، وفي هذه الحالة قادر على الوفاء بمتطلبات الوظيفة، ولم أكن قادرا منذ ثلاثين عاما! ومع ذلك فلقد خطرت الفكرة العبقرية على رأسي عندما رأيت الجميع يتحدثون عن الديمقراطية. أميركا أعلنت باسمها الحروب. ونحن في المنطقة نصرخ بالكلمة نجد فيها الشفاء من كل أمراضنا.. فكل ما نحن فيه من شر هو من الديكتاتورية والعياذ بالله، ولن نكون في خير وسعادة إلا اذا استخدمنا الديمقراطية. وفي ظل هذا الهوس فقدنا معنى الكلمة، على شاشة التلفزيون رأينا الرجل الذي نصب نفسه حاكما لبغداد، أو نصبوه حاكما. قال: أنا لم ينصبني أحد في هذا المنصب، أنا أتيت بالديمقراطية؟ واذا كنت من الأغلبية التي لم تعد تعرف معنى الكلمة ربما تخيلت الديمقراطية آلة كبيرة جدا على شكل قنبلة ذرية مرسوم عليها صورة مارلين مونرو أو على الأقل مونيكا لوينسكي لو كنتم تتذكرونها. ولأنها آلة كبيرة جدا فهي واقفة خارج البلاد. ولكن عليك أن تمر عليها أولا اذا أردت دخول البلاد، تقف أمامها وترسل التحية والسلام.. فإذا تقبلت الآلة تحيتك انحنيت لها وعندئذ تلصق عليك خاتم الديمقراطية في أي مكان تشاء. ولكنني أصحح للناس ان الديمقراطية ليست هكذا بل وليست آلة ضخمة أو بسيطة، ولن أحكي لكم قصة الديمقراطية منذ البداية عندما انتزع الديموس (أو سكان السفوح أو الشعب) المكاسب في أثينا. فالديمقراطية اليونانية تختلف عن الأوروبية.. والأوروبية تختلف عن الأميركية.. والأخيرة هي الغاية والمنى. ومن دلائل الاختلاف أن أساطين الديمقراطية يمصمصون شفاههم استنكارا للديمقراطية اليونانية ويشرحون لهم أنه ليس هكذا تسير الأمور، في حين أن اليونانيين هم أول من وضع النظرية، وأعطاها اسمها، وكان ذلك منذ نحو ثلاثة آلاف عام أي قبل اكتشاف أميركا وقبل اختراع جورج بوش بزمن طويل. وكل هذا أوحى الي بفكرة مدرسة الديمقراطية. ولا بأس من استيراد أميركيين ليدرسوا بها. ولكننا بعون الله سنفوقهم وننافسهم في ملاعبهم. والقاعدة الأولى في تدريس الديمقراطية هي أن نؤمن بها، ليس مهما أن تمارسها لكن تحدث عنها ليل نهار. اجعلها مفتاح كل الأشياء، فهذه الأغنية جميلة بسبب الديمقراطية، وهذا الرجل مرض بسبب الديكتاتورية. أظن الأمر بسيطاً. وسأحكي لكم قصة عملية لممارسة الديمقراطية. ولأن المكان معروف للكثيرين، ولأنني أدخل الى عش دبابير فأسميه «الاتحاد». والاتحاد يضم نحو ألفين من الأعضاء من المفروض أن يكونوا من خيرة الناس، وبعضهم هكذا، ولكن الكثيرين ليسوا هكذا ربما لأنه من السهل أن يندس الأشرار وسط الطيبين. وربما لأن النظام الديمقراطي يشجع البعض ـ دون قصد ـ لادخال عناصر دون المستوى لتكون أصواتاً عند الانتخاب. يجتمع هؤلاء الأعضاء مرتين كل عام، وعادة لا يأتي سوى ربعهم في أحسن الأحوال. فمعظمهم أصابه اليأس من الديمقراطية، والبعض نسى أو لم يدفع الاشتراك أو عجز عن الحضور. ينوب الربع عن الكل.. وهذا أول درس في الديمقراطية.. وحتى في أميركا أفضل الانتخابات لا يشارك فيها أكثر من النصف. يجتمع أعضاء الاتحاد ـ كما قلت ـ مرة كل عامين.. ويكون ذلك في الساعة العاشرة صباحا. ولأسباب قانونية خاصة باكتمال النصاب يبدأ الاجتماع بعد الحادية عشرة بكثير.. وكالعادة يبدأ بشخص يطلب الكلمة أو ينتزعها ويهاجم كل من يخطر على باله. ويميل كل عضو على زميله يسأل من هذا فلا يعرف. وفي الغالب يكون أحد المرشحين المجهولين يريد لفت الأنظار. وأحيانا يكون ما قاله لمجرد متعة السب. تتوالى الكلمات وكلها لها شبهة شخصية، ولكن قد تخرج عن الحدود المرسومة و«يصبح الكلام في العضم» كما يقولون.. وعندئذ يعلنون اقتراب الصلاة فنحن في يوم الجمعة. وتنفض الجمعية العمومية. وتبدأ الانتخابات بعد الصلاة. وتلك قصة أخرى. واذا كنت مرشحا فأنت اما أن تعتمد على ما فعلت وعلى سمعتك، وفي هذه مغامرة كبيرة، واما أن تكون تلميذا في مدرسة الديمقراطية، وتعرف أن النجاح يعني أصواتاً. وأصوات الناخبين لها حسابات. فهناك ناخب يكفيه أن تكلمه في التليفون حتى يحس أنك قريب منه. وناخب لا يكفيه هذا فعليك أن تقابله وتسأله عن «اسم الله عليه تامر وهل نجح في امتحان الابتدائية؟». وهناك النائب المزوغ الذي لابد من اجباره أن يقسم على المصحف انه سيعطيك صوته. وبالطبع هناك الناخب المريح، انه يريد شيئا، وهو مستعد أن يبيع صوته مقابل خدمة. هذا جهد يأخذ نحو شهر من العمل المتواصل، لكنه لا يكفي.. فهناك كتل انتخابية عليك أن تصل اليها وتقنعها أنك حليفها، بالطبع لن يصدقوك، ولكنهم سيضعون اسمك بين بعض قوائمهم، كما أنك ستضع أسماءهم بين قوائمك. ولا تستهين بهذا، فهناك ناخبون يأتون من بيوتهم لا يعرفون من ينتخبون، ولذلك يسلمون أصواتهم لأية قائمة. واذا كنت من الناس الذين يوصفون بأنهم ملح الأرض، فلا تخشى شيئا، فالأصوات ليست حكرا على المشاهير، فهناك من سيعطونك صوتهم لأنهم يكرهون المشاهير. وربما وجدت نفسك فائزا، وقد سقط من هو أفضل منك. وبعد جمع الأصوات هناك تزوير الانتخابات، وهذا تخصص يحتاج الى دراسات عليا، وربما استوردنا له الخبير الذي زور انتخابات جورج بوش نفسه. وتسفر الانتخابات عن نجاح مجموعة وصلت الى هذا بالعرق والجهد، ولابد لهم من أن يبدأوا العمل، وذلك بدفع ما عليهم للناخبين، وتقديم الرشاوى للناخبين، فلابد من أن تعمل للانتخابات مبكرا، وبعد أن تقدم ما عليك، وهذا واجب اذا كنت «أمينا» عليك أن تبدأ في جمع مالك. فأنت لم تفعل كل هذا لتخسر. وبالطبع ليس هذا كل منهج مدرسة الديمقراطية، فلقد أخفينا الجزء الأهم حتى يتقدم لنا الطلاب. وعلى فكرة لدينا قسم بالمراسلة.. أي أن تتعلم الديمقراطية دون معلم!