الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 سقطت بغداد، وبقيت أسئلة كثيرة حادة كالنصال مشرعة كالرماح، ولا مفر من تجاوز مشاعر الصدمة والحزن وإخضاع ما حدث للتحليل بأمل استيعاب الدرس القاسي. فخلال مراحل أزمة النظام الرسمي العربي التي احتدمت بالغزو العراقي للكويت كانت الثغرة الأخطر في الأداء الرسمي العربي والخطاب السياسي العربي غير الرسمي ثغرة البحث عن «عكاز» تتوكأ عليه السياسة الخارجية العربية، وكانت فترة الثنائية القطبية قد تركت أثرا عميقا في الأداء الدبلوماسي العربي الذي بدا كما لو كان عاجزا عن رؤية العالم خارج هذا النموذج. وبعد جولات من التقلب بين التحالف مع موسكو أو واشنطن أصبح صانع القرار الرسمي العربي أمام عالم جديد رفض قبوله فعجز عن فهمه. وخلال السنوات التي أعقبت انهيار الإمبراطورية السوفيتية لم تكن هناك رغبة في بناء تصور عربي ناضج للعلاقة مع العالم، بل تفرغ معظم المحللين للبكاء على جنة الثنائية القطبية بينما أجهد آخرون أنفسهم في البحث عن قطب آخر ـ أو أقطاب آخرين ـ يمكنهم موازنة النفوذ الاميركي عالميا. فخرج من بشرنا بصعود الصين أو فرنسا أو استعادة روسيا دورها، دون أن يفكر أحد في الدعوة لأن تقف السياسة العربية على قدمين عربيتين، فضلا عن وضع التصورات الممكنة لذلك. وسياسة البحث عن عكاز جعلتنا لعقود عرضة لعمليات ابتزاز ومساومة في سوق السياسة الدولية التي صرنا فيها أقرب إلى س الأيتام على مائدة اللئام س، وأصبحت أكثر الملفات خطورة في السياسة العربية تناقش في عواصم العالم شرقا وغربا ويتخذ القرار فيها في غيبتنا. وخلال الأزمة العراقية الأخيرة كان الرهان الأكبر على فيتو روسي أو صيني أو فرنسي يمنع الولايات المتحدة من شن الحرب على العراق فإذا بنا نكتشف ـ بعد فوات الأوان ـ أن الفيتو نفسه لم تعد له قوته السحرية التي عرفناها لعقود. وقد كان مؤشرا خطيرا جدا أن يكون الاهتمام الأكبر خلال الشهور الأخيرة من الجدل الدولي بشأن العراق بموقف فرنسا وروسيا وألمانيا، بينما الموقف الرسمي العربي لا يحظى إلا باهتمام الإعلام العربي، الذي هو في النهاية إعلام رسمي مهمته نقل وجهات النظر الرسمية فلا يعني اهتمامه به وإلحاحه عليه أنه قادر على التأثير في مجريات الأحداث. وعندما لاح أن الصدمة التي أحدثها العمل العسكري على العراق ستترك أثرا إيجابيا في رؤيتنا لمستوى الأداء الرسمي العربي وقدرته على التأثير في مجريات الأحداث دوليا، بدأ يطفو على السطح خطاب اعتذاري هو طبعة جديدة من منطق «البحث عن عكاز»، إذ اتخذ البعض من عجز الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي عن منع العدوان على العراق مبررا مقبولا لأن تعجز الدول العربية والجامعة العربية عن إنجاز الهدف نفسه، وهو خطاب مغلوط : أولا : لأن القوى الدولية التي كانت تريد منع العمل العسكري كانت تدافع عن مصالحها ـ المباشرة كالنفط وغير المباشرة ـ أما نحن فكنا في حالة دفاع عن السيادة والفرق بينهما جوهري. ثانيا : لأن هذه القوى الكبرى تربطها بالولايات المتحدة علاقات ندية، وبالتالي لا يضيرها أن تختلف وجهات النظر في أية قضية، أما العلاقات العربية الاميركية فكانت في لحظة تحول تمكنت الولايات المتحدة فيها من أن تفرضها فرضا علينا بالقوة، وبالتالي فمعيار الوزن النسبي هنا لا يصلح وحده للتقييم. بدليل أن تركيا تمكنت دون أن تكون قطبا دوليا من فرض خطوط حمراء على السلوك الاميركية بصرامة مدهشة. وإعادة بناء السياسة العربية على نحو مختلف مرهونة بشروط موضوعية لا سبيل للقفز عليها لأن لغة السياسة الدولية لا تعرف القرارات الثورية الفوقية بل تعرف موازين القوى، وأول الشروط الموضوعية الاستعداد لدفع ضريبة بناء كيان عربي يشكل نظاما عربيا جماعيا يمكنه الدفاع عن المصالح العربية، وضريبة ذلك أن تقبل الدول العربية أن تتنازل طواعية عن شيء من سيادتها المطلقة لكيان ذي شخصية اعتبارية يملك إلزام أعضائه بما يتخذ من قرارات، بل أن يملك معاقبة من يخالفها طالما تم اتخاذها بشكل يعبر عن إرادة الأغلبية. ومن الشروط الموضوعية أيضا أن تنضج إرادة تغيير عربية ترى التغيير في سياقه الصحيح بوصفه ضرورة لبناء المستقبل لا بوصفه دواء تتجرعه مرغمة، ويستتبع الإيمان بحتمية التغيير أن نمتلك بصيرته وشجاعته، فالطريق مليء بالشراك والفخاخ ومخططات الآخرين لمستقبل عالمنا العربي لم تعد في حاجة لمن يحذر منها بعد أن عاد الاحتلال العسكري الأجنبي ليصبح حقيقة من حقائق الواقع العربي. كما أن طريق التغيير مليء بأوهام كثيرة ـ بعضها قاتل ـ زرعتها الصراعات الايديولوجية التي شهدها العالم العربي منذ رحيل الاستعمار العسكري الغربي قبل حوالي نصف قرن، فلقد انقسمت النخب العربية على نفسها وحاولت نقل انقساماتها للمجتمعات فصنفت الأمة، تارة إلى رجعيين وتقدميين، وتارة أخرى إلى وحدويين وقطريين، و.... وبين هذه الأحراش المظلمة ضاع المواطن العربي وتمزق العقل العربي، وأصبحت النخب ـ إضافة إلى عزلتها عن الشعوب ـ في حالة صراع دام مع نفسها. وعندما تتأسس السياسة العربية على المصارحة بدل الخطب والشعارات. وعندما تحل لغة المصالح محل المشاعر، وعندما تصلح الهوية العربية ما أفسدته الصراعات الأيديولوجية، نكون قد خطونا الخطوة الأولى في سبيل الاستغناء عن العكاز ! ـ كاتب مصري