الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 أية «ديمقراطية» ، وعدت بها أميركا جورج دبليو بوش العراق، تنتظر هذا البلد العربي المعذب في المرحلة التي تلي اجتياحه وقلب نظام الحكم السابق فيه؟!. بين ما تضعه الولايات المتحدة نموذجا لـ «العراق الديمقراطي»، ما فعلته هي نفسها في كل من اليابان وألمانيا بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية. تخاطب واشنطن العراقيين بأن انظروا الى اليابان والمانيا الآن لتتخيلا ماذا سيكون عليه وضعكم في السنوات المقبلة. اكثر من ذلك، فقد بادرت الى تعيين الجنرال المتقاعد جاي غارنر حاكما للعراق، على منوال الجنرال دوغلاس ماكارثر الذي حكم اليابان بعد الحرب، كما شكلت فريقا أطلقت عليه اسم «مكتب اعادة التعمير والمساعدات الانسانية» معظم افراده من رجال المخابرات والضباط المتقاعدين ليقوم بالمهمة الى جانب «ماكارثر العراق» في مرحلة ما بعد صدام حسين. ولكن كيف كان الوضع في اليابان، تحت الاحتلال الأميركي، بعد اعلان امبراطورها هيروهيتو استسلام بلاده لقوات الحلفاء مباشرة بعد استخدام الولايات المتحدة - لأول مرة في التاريخ ـ قنبلتين ذريتين ضد اثنتين من مدنها هما هيروشيما وناغازاكي ؟!. الواقع انه عندما يذكر اسم اليابان بعد الحرب يرد دائما وبسرعة اسم الجنرال ماكارثر (وبالتالي الماكارثية التي ارتبطت باسمه وبمفاهيم اقلها الاذلال والقمع والاضطهاد) الذي حكمها بقبضة حديدية لأكثر من سبع سنوات كاملة تميزت بنظرية في الحكم ما زال التاريخ العالمي - بما فيه التاريخ الاميركي نفسه - يتذكرها كاحدى أسوأ ممارسات الاحتلال في القرن العشرين. والماكارثية، في التعريف الاميركي لها، هي نزعة سياسية تتسم باصطناع العنف في مقاومة عناصر تعتبرها الدولة (هنا دولة الاحتلال) هدامة، وبشن حملات تشهير على الافراد من غير تحر عنهم او تحقيق في صحة ما يتعرضون له من تشهير. وعمليا فهذا ما حدث ليس في اليابان فقط، في ظل الماكارثية، وانما في المانيا ايضا، بعد ان شهدت الولايات المتحدة ذاتها معتقلات أقيمت على عجل بعد عملية بيرل هابر حشر فيها كل ياباني صدف وجوده على الارض الاميركية وكل اميركي من اصل ياباني. أليس هذا ما شهدته الولايات المتحدة للمرة الثانية بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 عندما بات كل عربي او مسلم، وحتى كل أميركي من اصل عربي او مسلم، متهما بالارهاب او مدانا به سلفا، بل زج بالآلاف منهم في السجون ـ احتياطا كما قيل!! ـ فضلا عن طرد العديد منهم من دون اية محاكمة؟!. سوابق أميركية أهم ما في تلك المرحلة، كما جاء في كتاب جون داور Embracing defeat عن احتلال اليابان (للمناسبة يمكن ترجمة اسم الكتاب على انه «الهزيمة المعانقة» او «عناق الهزيمة»)، ان الخطوات الاولى لـ «دمقرطة» ذلك البلد لم تكن ديمقراطية بأي شكل من الاشكال، اذا لم تكن منافية للديمقراطية على طول الخط. فلم يعط الاحتلال الاميركي اليابان اية سيادة، ولا سمح لها باقامة علاقات دبلوماسبة مع العالم، حتى ان مواطنيها ـ كل مواطنيها ـ كانوا ممنوعين من السفر الى الخارج، في الوقت الذي حرم فيه عليها رفع علمها او عزف نشيدها الوطني. وعمليا ايضا فانه حتى الآن، وبعد سبعة وخمسين عاما من انتهاء الحرب، ما تزال للولايات المتحدة قواعد عسكرية ضخمة في اليابان كما في المانيا، وان تكن تحمل في هذه الاخيرة اسم حلف شمالي الاطلسي. كذلك فالهيمنة الاميركية على البلدين ليست مما يجادل فيه احد برغم الظواهر المختلفة على السطح، اقتصاديا وصناعيا وتجاريا وعلميا، بحيث يتفق الاوروبيون والألمان على القول حاليا ان موقف حكومة برلين من الحرب على العراق مثلا ـ عمليا من الولايات المتحدة قبل اي شيء آخر ـ لم يكن الا استجابة لضغط الرأي العام الالماني الذي ضاق ذرعا بتلك الهيمنة. قد يقال ان العصر مختلف وان ما كان مقبولا، ولو على مضض، في منتصف القرن الماضي لم يعد مقبولا الآن في القرن الحادي والعشرين، وان الرأي العام الاميركي نفسه ـ فضلا عن الرأي العام في العالم ـ لم يعد ليتحمل أوزار ماكارثية جديدة في عالم بات اشبه بقرية كونية. الا ان ما شهدته الدنيا على شاشات الفضائيات، سواء كان بقرار متعمد او على سبيل الخطأ كما يقال، يشي بأهداف غزو العراق البعيدة من ناحية وبما سيكون عليه الوضع على الأرض في المستقبل من ناحية اخرى. ما الذي شهدته الدنيا على شاشات الفضائيات؟!. في مدينة ام قصر، على سبيل المثال، وكانت بين اوائل المدن التي اجتاحتها قوات الاحتلال، تم رفع العلم الاميركي لفترة من الوقت، ثم ما لبث الغزاة ان ازالوه. خطأ، ام عملية اختبار ؟!. في اثناء تدمير تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد، قام جندي اميركي بتغطية رأس التمثال بالعلم الاميركي (كما في تنفيذ احكام الاعدام!)، ثم ما لبث ان ازاله ليستبدله بعلم عراقي جعله يتدلى من العنق، ليزيله في مرحلة لاحقة، في الوقت الذي كان فيه مواطن عراقي يحافظ على علم بلاده مرفوعا بين ذراعيه. خطأ كذلك، ام عملية اختبار اخرى؟!. لم يكلف الجنود الاميركيون انفسهم سوى بحماية وزارة النفط، تاركين الوزارات والدوائر الاخرى بما فيها المتحف الوطني ومكتبة المخطوطات النادرة والجامعات ساحة للنهب والسلب واشعال الحرائق تحت انظارهم ومن دون اي تدخل منهم، ولو رمزي، لحماية ما يتصل بهوية البلد والشعب وتاريخهما. خطأ بدوره، ام هو قرار متعمد ؟!. وفي الموصل وكركوك، لماذا ترك الغوغاء - كما يقال - يعيثون فسادا في ممتلكات الناس، وخاصة في التركيبة الفسيفسائية للقوميات والاديان والمذاهب في المدينتين، ولم تقم قوات الاحتلال عمليا باطلاق النار الا على المتظاهرين عندما ساروا في الشوارع احتجاجا على انعدام الأمن من جهة، وعلى تنصيب محافظ للموصل رأوا فيه تحديا لارادتهم من جهة ثانية ؟!. مستقبل الديمقراطية «هل هناك تعارض مصالح بين التحريض على الحرب من جهة والاستفادة من اعادة الاعمار بعد الحرب من جهة ثانية ؟!». توجه صحيفة «النيويورك تايمز» سؤالها الى شولتس ؟!. «لم أكن أعرف ان شركة» باكتيل «ستستفيد بشكل خاص من ذلك»، يرد شولتس. ولا تعلق الصحيفة بشيء. عضو آخر في «مكتب اعادة الاعمار والمساعدات الانسانية» الذي شكلته واشنطن برئاسة الجنرال جي غارنر، هو جيمس وولسي مدير المخابرات المركزية الاميركية «سي. آي. ايه» السابق، يتولى بدوره منصبا مركزيا في مجموعة شركات «بالادين كابيتال» التي تسعى لاستثمارات ضخمة في العراق. وغارنر نفسه، تقول «النيويورك تايمز»، يشكل نموذجا في هذا المجال، اذ انه تحول من دون اي جهد يذكر من كونه ضابطا متقاعدا الى رئيس شركة «سيكولمان» المختصة بشئون الدفاع والتي ساعدت اسرائيل على تطوير نظامها الصاروخي «آرو». اعادة بناء العراق، في الجانب الامني والدفاعي، تحتاج بدورها الى كفاءة غارنر وطبعا الى تكنولوجية شركة «سيكولمان» وربما صاروخ «آرو» ايضا!!. ماذا عن اعادة البناء السياسي، اي الديمقراطية الموعودة ؟!. ليس هناك الكثير مما تمكن اضافته الى «الديمقراطية» الماكارثية التي رعاها دوغلاس ماكارثر في اليابان بعد الحرب، ولا الى اطلاق النار على المتظاهرين في الموصل، ولا حتى الى منع الصحافيين من تغطية تظاهرة معادية للاحتلال سارت امام فندق فلسطين في بغداد، سوى ما قاله مستشار الامن القومي الاميركي السابق برنت سكوكروفت في هذا المجال قبل اسابيع. فقد تساءل سكوكروفت في مقال نشر اخيرا في احدى الصحف الاميركية: «ما الذي سيحدث عندما نجري اول انتخابات في العراق، ويتبين ان الراديكاليين هم الذين فازوا فيها؟!. ماذا ستفعلون؟!. من المؤكد اننا لن نسمح لهم بذلك». ـ كاتب لبناني