الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 وما أبعد الفرق الشاسع بين الطبعتين: الوصايا العشر في طبعتها، أو صيغتها الأولى والمعروفة تاريخيا. هي تلك التي جسدت مكارم الأخلاق وحثت البشر على أن يتجنبوا مغبة السقوط في هاوية الانحراف. وقد تداولتها كتب سماوية سبقت القرآن العظيم وجعلت همها أن تأمر بالمعروف الذي يحض على اشاعة المحبة وافشاء السلام وسيادة التراحم بين البشر. بقدر ما جعلت همها أيضا ان تنهى عن المنكر في أشكاله وسلوكياته حيث تخاطب الانسان قائلة. لا تسرق ولا تكذب ولا تقتل. الى آخر النواهي التي تعصم هذا الانسان من الخطأ أو الخطيئة. وصايا سياسية بيد ان الوصايا العشر التي نحن بصددها في هذه السطور تتسم بالطابع السياسي من جهة، وتعبر عن نوايا الاحتلال الانجلو ـ امريكي للعراق من جهة اخرى والقوم يعمدون الى استخدام مصطلح فريد وخداع حين يشيرون الى احتلال العراق العربي المسلم ـ والمصطلح تلخصه عبارة مشتقة في رأينا من أدبيات العمل السينمائي «ثمة فيلم في هذا السياق من بطولة النجمة المستنيرة الشجاعة جون فوندا» والمصطلح هو ببساطة: ـ «اليوم التالي».. أو «اليوم الذي يأتي من بعد» أو «غداة الواقعة». ومن البديهي ان بات القوم منشغلين بحكاية مابعد الواقعة حيث الواقعة هي ضرب العراق والاستيلاء على اقليمه وضرب مقدراته ومن ثم فرض الاحتلال العسكري كأمر واقع في كل أراضيه. «اليوم التالي» بدأ يوم الاثنين، 21 من شهر ابريل الحالي بوصول الجنرال الاميركي المتقاعد جاي جارنر الى بغداد قادما ـ من باب التذكرة ليس الا ـ من اقامة طال امدها في الشقيقة المجاورة للكويت. وكان الوصول الذي شهدته الساعات الأولى من ذلك اليوم التالي مشهدا حافلا ومفعما بالعبر والدلالات: ــ بادئ ذي بدء فالجنرال جارنر ليس مجرد ضابط اميركي رتبته لواء. دع عنك ان يكون متقاعداً. ولكنه لواء اميركي له تاريخ وله علاقات وصلات في منطقة الشرق الأوسط وفي اسرائيل على وجه الخصوص. ويكفي ان نتوقف عند محطة بعينها من تاريخ الرجل تقول بأنه كان من كبار المسئولين عن نصب نظام الدفاع الصاروخي المعروف باسم نظام «آروز» «بمعنى السهام المنطلقة» في اسرائيل. ـ ثم ان الجنرال لم يكن تعاطيه مع الشأن العراقي بين يوم وليلة. بل بدأ هذا التعاطي قبل فترة طويلة من حلول «اليوم التالي» وهي فترة تخطيط ورسم واستعداد لمقدمه الى العاصمة العراقية بعد ان تسكت مدافع الغزو وطبعا بعد أن التزمت مدافع المقاومة حبال الصمت المضطر في مناطق الجنوب والصمت المشبوه في بغداد على نحو مايعرف الجميع. وعليه فالجنرال جارنر لم يأت كزائر عابر بل جاء كزائر مقيم حيث تراوحت الآراء وتعددت الاجتهادات بشأن طول الزيارة وبشأن مقاصدها وبشأن الصلاحيات التي سوف تمارس في سياقها والأدوار ـ وطبعا المكافآت والأرباح والعوائد والاستحقاقات ـ التي سيتم توزيعها طوال أمدها. وفي هذا الاطار لابد أن نشير الى أن الجنرال جارنر يمكن ان يطلق عليه لقب أقرب الى «ذي الرياستين» فهو عسكري سابق «تقاعد عام 1997» وهو رئيس مجلس ادارة شركة «اس. واي. تكنولوجي» المتخصصة في اجهزة التحكم بمسار الصواريخ العسكرية وهاهو يحمل حقيبة أو رئاسة ثالثة جاءت به الى بغداد مسئولا رغم صفاته العسكرية السابقة واللاحقة، عما وصفوه بانه ادارة.. «مدنية»! في العراق. ــ ان الجنرال وصل الى بغداد في رهط بل حشد من المعاونين والمسئولين، معاونوه ـ أركان حربه بلغ عددهم 19، فيما ضم الوفد الذي رافقه ـ على نحو ماذكرت اخر المعلومات ـ عددا يبلغ 450 فردا من مختلف التخصصات، ويمثلون دوائر شتى مابين المخابرات الى الموازنة الى مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض وغيرها. لعلهم يطمحون في ان يديروا دفة الامور ـ مع الجنرال ـ وسط جو من السكون والهدوء المخيم على ارجاء العراق. وهي فكرة كانت قد راودت مخططي الحرب في واشنطن ولندن وهي فكرة وصفتها افتتاحية «الجارديان ويكلي» البريطانية «عدد 16/4» بانها من «العبثية أو الحماقة بمكان». فما بالك اذا كان القوم قد تطلعوا الى ان تتم ادارة عراق مابعد الحرب وسط مشاعر عرفان وامتنان من جانب. العراقيين! مستقبل العراق ورغم سخف وحماقة حكاية الامتنان العراقي المذكور اعلاه. فلا شك ان فريق الجنرال جارنر قد حمل معه وثائق المشروع الذي تداولته أوساط العاصمة الاميركية منذ شهر مارس عام 2002 وكان عنوانه بالغ الدلالة وهو: «مستقبل العراق» وهو المشروع الذي شكلوا من أجله 17 مجموعة عمل، درست كل مجموعة منها قضية تتعلق بالتغيير المطلوب في العراق مابعد الحرب. أو هو «عراق مابعد الصراع» التعبير الاخير اصبح مفضلا بدوره في أدبيات السياسة الاميركية وقد عمدت الى استخدامه دراسة مهمة بقلم الاستاذين فردريك بارتون وباثشيبا كروكر وهما معنيان بقضية مابعد الصراع المطروحة للبحث والتحليل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. وقد توصل الباحثان في دراسة في الموضوع العراقي الى بلورة خطوط السياسة العشرة أو هي الوصايا العشر التي ألمحنا اليها في مستهل هذا الحديث. وقد حرصنا على القول ان هذه الوصايا أو الخطوات العشرية انما تهدف ـ في رأيهما ـ الى استتباب السلام في العراق «الجديد» كما أنها لم تأت كمجرد اجتهاد تنظيري ولا كرؤية بحثية أو أفكار أكاديمية، بقدر ماأنها حرصت ـ كما يقول الباحثان ـ على تأمل واستقاء الدروس المستفادة من تجارب مابعد الصراع في مواقع اخرى من خريطة العالم منها مثلا البلقان أو تيمور الشرقية أو هايتي أو افغانستان. قالت الوصايا وقد نشرت مجلة «واشنطون كوارترلي» في أحدث اعدادها «عدد ربيع 2003» نص هذه الوصايا العشر على شكل «مانيفستو» موجه بلغة الخطاب المباشر الى طرف معين هو ـ كما نتصور ـ القوة أو السلطة القائمة بالاحتلال. كما انها موزعة على اربع فئات رئيسة هي: الأمن والحكم والعدل والمصالحة الوطنية والرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وفيما يلي عرض شديد التكثيف لهذه الوصايا: في مجال الأمن: 1 ـ عليك بانشاء قوة أمن مرحلية. بمعنى انتقالية أو مؤقتة بشرط أن تتصف بكفاءة الاعداد ووضوح المسئوليات وتوافر الأفراد اللازمين لاحتياجات أمن مابعد الصراع، بما في ذلك قوى الضبط والربط الداخلي: «الهدف هو تجنب وقوع » أو استمرار«الفراغ الأمني في الداخل». 2 ـ ضع خطة شاملة لتأمين وازالة اسلحة الدمار الشامل «وضعت هذه الوصية في مرحلة ماقبل اشتعال الحرب ولم يثبت حتى تاريخه حكاية اسلحة الدمار الشامل رغم انها كانت من الحجج التي سيقت لاشعال نيران المعارك». وفي هذا الصدد لابد من اعتبار اسلحة الدمار المذكورة خطرا جسيما على القوات المتحالفة وعلى الشعب العراقي وعلى الأمن الاقليمي والعالمي. فضلا عما يمثله انهيار النظام العراقي من خطر اضافي قد يتمثل في انتشار هذه النوعية من الأسلحة. والمطلوب في هذا الصدد هو قوة عمل معنية بالأمر وتضم الدوائر المتخصصة من أميركا، اضافة الى البنتاجون والخارجية والطاقة والمخابرات لوضع خطط شاملة تكفل تقصي مواقع تلك الاسلحة ومخازنها. مع العمل «تأمل هذه النقطة» على متابعة العراقيين «يقصد العلماء» المشاركين في برامج تلك الأسلحة من أجل احتوائهم ومنعهم من الفرار خارج البلد. 3 ـ على أميركا وحلفائها العمل من أجل التخطيط والتدريب اللازمين لست مهام أو ستة تكليفات تكفل أمن العراق والمنطقة. وتضم هذه المهام أو التكليفات مايلي: ـ جيش عراقي نظامي. معاد تدريبه. ـ حماية البنى الاساسية والمرافق الحيوية المتصلة بصناعة النفط في العراق. حماية سلامة الاراضي العراقية «ويشمل ذلك ـ تضيف الوثيقة التي نحيل اليها ـ الحصول على ضمانات في هذا الصدد من تركيا وايران وضمانات من الأكراد بعدم اعلان دولة مستقلة». ـ فيما يتعلق بنظام الحكم السابق في العراق، ينبغي العمل على تفكيك وتسريح الحرس الجمهوري مع «تأمين» مقار حزب البعث وقصور صدام حسين ضد التخريب أو التدمير «وهو أمر لم يحدث كما شهدت ظروف مابعد انكسار بغداد». اضافة الى تفكيك وحل أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة للنظام المخلوع. في شئون الحكم: 4 ـ عليك بانشاء ادارة دولية! انتقالية «والحاصل كما نعرف ان هذا الامر لم يحدث بل اقتصر الأمر على ادارة الجنرال المتقاعد جارنر المقيم حاليا في سدة الحكم في بغداد «المحتلة». ونلاحظ في هذا الخصوص أن التوصية ـ الوصية الرابعة التي نعرض لها كانت قد صيغت قبل أحداث الحرب والغزو، وكانت قد أوصت برسم دور فعال وجوهري للأمم المتحدة في ادارة «عراق مابعد الصراع» أسوة بماحدث فعلا في كوسوفو وتيمور الشرقية بل اشترطت التوصية ذاتها ضرورة «ان يتولى مجلس الأمن تعيين حاكم اداري انتقالي ـ أو مؤقت في أقرب وقت ممكن يعاونه عدد من المسئولين الاساسيين من أجل ان يشرع فورا في مسائل التخطيط والتنفيذ على أن يساعده أيضا عدد من ضباط الارتباط مع الدوائر العسكرية ومع المنظمات الانسانية». يضاف الى هذا ـ كما قضت التوصية ـ الشروع في صيغة «انتداب» اداري انتقالي يقضي ايضا بتزويد السلطة الادارية الانتقالية المشار اليها بجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والمالية. «قد نعيد الى الذاكرة مصطلح «الانتداب» الاستعماري القديم الذي سبقت الى اقراره على العراق عصبة الأمم المتحدة ومن ثم تنفيذه على يد بريطانيا في عام 1920. والمهم ان كل كل مايتعلق بالأمم المتحدة ودور مجلس الأمن وأي اجراء له طابع دولي لم يجد طريقه قط الى التنفيذ في عراق ـ اليوم من قريب أو بعيد. 5 ـ اجراء حوار وطني يقوم على أمره منسق من ابناء العراق، باعتبار أن أي حكومة جديدة في البلاد انما تتوقف على مشاركة جميع العراقيين في أمر اقامتها. أما النموذج المطروح في هذا الخصوص فهو جمعية «اللويا جورغا» التي شهدناها في افغانستان مؤلفة من رؤساء العشائر وسائر الفعاليات من ابناء البلاد وكانت العملية الافغانية قد بدأت تحت اشراف الأمم المتحدة في برلين وانتقلت الى كابل ثم تمخض «الجبل» السياسي الافغاني عن اختيار السيد حامد قرضاي رئيسا! 6 ـ استخدام فريق من قضاة العدل مؤلف من خبراء وقضاة وحقوقيين وممثلي ادعاء ومسئولي اعلام دوليين. وتعزو التوصية حكاية الدوليين هذه الى ان «السنوات العشرين الماضية أفضت الى تآكل ثقة الشعب العراقي في منظماته ومؤسساته المعنية بأمر القضاء وأمر إنفاذ القوانين. 7 ـ استخدام قوة شرطة مدنية دولية يتمثل دورها في تكميل دور الشرطة العراقية وليس في الحلول محلها باعتبار ان الشرطة العراقية ـ تضيف الوصية السابقة ـ يبلغ حجمها نحو 58 ألف فرد ولكن مع العمل على استخدام آلية تقضي بعملية «تطهير» الشرطة العراقية الحالية من الرواسب ـ أو الشوائب السياسية المتخلفة عن نظام صدام حسين. 8 ـ في المجال الاقتصادي والاجتماعي: ينبغي اطلاق دعوة لاعادة هيكلة الديون المستحقة على العراق بعد ان كان صدام، تضيف الوصية الثامنة ـ قد راكم مبلغا فادحا من الديون يتراوح بين 62 و130 مليار من الدولارات معظمها قروض قصيرة الأجل لبنوك تجارية وبعضها قروض طويلة الأجل لحكومات أجنبية. في هذا المضمار، تحث التوصية الحكومة الاميركية على أن تقود المسيرة لعقد اجتماع تطرح على طاولته عملية اعادة تفاوض «وربما اعادة جدولة ان لم يكن «اعادة نظر» سريعة وفعالة لمشكلة ديون العراق. وقد يتم هذا في «نادي باريس» أو قد يتم عن طريق صندوق النقد الدولي أو بواسطة آلية خاصة يتم استحداثها ويكون شأنها تخفيف اعباء الديون عن كاهل العراق أن لم يكن شطب هذه الديون من أساسها، خاصة وان أفدح الاعباء المترتبة على عاتق العراق انما يتمثل في مبلغ 172 مليار دولار على شكل مطالبات لم يتم تسويتها وتتصل بحرب الكويت في التسعينيات وقد قدمت هذه المطالبات الى لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة. 9 ـ يجب البدء فورا باستعراض «اعادة نظر» في العقوبات الدولية المفروضة على العراق مع اعداد المستندات اللازمة اما لتعليق هذه العقوبات أو لرفعها بصورة جزئية. وتقضي الوصية التاسعة في هذا السياق على أهمية رفع العقوبات بصورة أو بأخرى. ومن عجب انها لا تسوق في الأساس اسبابا تتعلق بحيوية تخفيف معاناة الشعب العراقي بل تبرر أمر المطالبة برفع العقوبات على أساس مايلي: تمكين الولايات المتحدة من حشد الجهود. والموارد في اطار الاستجابة الفعالة الى الاحتياجات الانسانية ومتطلبات الاعمار لمرحلة مابعد الصراع في العراق. 10 ـ الوصية الأخيرة تتعلق بعقد مؤتمر للمانحين للعراق موضحة ان الامر سيحتاج الى رصد أموال مباشرة لتلبية 3 أغراض أساسية: ـ احتياجات الطوارئ الانسانية. ـ انشاء هيكل مدني دولي لادارة الأمور «ضع كلمة اميركي بدل كلمة دولي باعتبار هذا ماافضت اليه تطورات الاحداث». اطلاق بداية سريعة لمشاريع الاعمار. العراق وبؤس الدلالة ولعل اتعس الدلالات في هذه الوصية الختامية ان يتحول العراق الغني بنفطه والشبعان بما وهبه الله من احتياطياته البترولية «ثاني وربما أول الاحتياطيات في الكرة الأرضية» الى دولة تعيش على هبات المانحين أو مساهمات المتبرعين. السلام الأكثر عقلا ومرة أخرى، فقد وضعت هذه الدراسة قبل اندلاع لهيب الحرب. وجهدت في التمسك بأهداب التعقل وربما المسئولية، اذ كررت الدعوة الى أهمية مشاركة الأمم المتحدة والأطراف الدولية المتصلة بمنظومتها في تدبير الأمور في عراق مابعد الحرب أو عراق مابعد الصراع. وحملت الدراسة التي أوردت هذه الوصايا العشر عنوانا موحيا هو: «السلام الأكثر عقلا أو الأوفر حكمة» واختتمت اجتهادها بالتأكيد على ضرورة ان تعمل أميركا على تخفيف حدة الشكوك التي تراود العراقيين والمسلمين بشكل عام بشأن دوافع أميركا التي حفزتها الى شن الحرب على العراق وبشأن مدى التزام واشنطن ازاء مستقبل السلام والأمان الاقتصادي لجميع الاقطار في منطقة الشرق الأوسط. واذن فقد دعت الوثيقة التي رجعنا اليها الى سلام أكثر حكمة وتعقلا فهل نحن حقا بازاء هذا السلام الأعقل أو الأحكم. أم أن الأمر على خلاف ذلك تماما؟ ـ كاتب سياسي من مصر