الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 حانت ساعة الحساب، حساب الجاني للمجني عليه، ومحاسبة محترفي الكذب والخداع للناطقين بلسان الحقيقة، في فصل جديد من فصول مسرحية العبث الدولي، بعد ان اسدل الستار على مشهد البداية في ارض العراق، وارتفاع رايات الفوضى الممنهجة المحمية بآلة الحرب الاميركية البريطانية، حتى يكتب لها ابقاء بلاد الرافدين في قبضتها، رغم انكشاف سوءة عملها، وثبوت بطلان مبرراتها، فهي رغم فصول الدمار الذي لم يفرق بين اخضر ويابس، لم تعثر على ذرة من اسلحة دمار، صدعت رؤوس العالم بأنها تشن حربا مقدسة لحماية العالم منها. ساعة الحساب التي دارت عقاربها في اتجاه عكسي، تؤشر لبداية حملة، مكارثية جديدة، وتهدف لتجريف كل منابع العقلانية، وازالة كل دافع لمواجهة هجمة الشر الدولي، التي تدفع عالمنا بكل ميراثه الحضاري الى حافة الهاوية، وتشعل حربا تلو الاخرى، من اجل هدف مشكوك لا في شرعيته فقط بل في جدواه اصلا. استهدف عقرب ساعة الحساب المعكوسة في دورانها اولا جورج غالاوي النائب البريطاني العريق في دفاعه عن الوجه الانساني للحضارة الغربية، والمدافع العتيد عن حقوق الانسان في النصف الجنوبي من العالم ضد كل هجمات القراصنة الجدد وقارعي طبول الحرب او على الاصح حروب الابادة الشاملة لحضارات الشرق وفي القلب منها حضارة العرب والمسلمين. حملة المكارثية الجديدة بدأت بغالاوي ولن تنتهي به، بل ستطال كل مناهضي العولمة، والتحالف الدولي الواسع المعارض للحرب ضد العراق، وسينال الجميع الحساب بأثر رجعي، وعبر تنويعة من اساليب العقاب تبدأ كما هو مألوف لدى اباطرة المكارثية بالتشهير والاغتيال المعنوي للشخصية، والابتزاز السياسي والاعلامي والتهميش السياسي، او التصفية السياسية كورقة اخيرة. البداية مع غالاوي لكن السلسلة ربما تضم كثيرين من المناوئين للجناح اليميني المتطرف للتيار الصهيوني والمسيحي الصهيوني المسيطر على مقاليد امور الحرب والسلام في عاصمة اللانظام الدولي الجديد. من هؤلاء الذين ستطالهم حملة المكارثية الجديدة رامزي كلارك وزير العدل الاميركي الاسبق، ناعوم تشومسكي المفكر الاميركي والناقد الابرز للاطروحات العنصرية ضد شعوب العالم الثالث، وربما سيحاسب صحفيون وفنانون وكتاب اوروبيون قبل ان يحاسب قيادات وساسة اوروبيون قالوا كلمة الحق في وجه سلطان الشر الجائر، وبالفعل بدأت الحملات ضد بعضهم بشكل مرعب ومثير للتقزز من كل تلك الرغبة المتوحشة في الانتقام، الرافضة للتعلم من درس التاريخ. حملة التشهير والحساب بأثر رجعي بدأت مع غالاوي بشكل اعلامي منسق، في محاولة لتشويه موقفه الجريء والبطولي ضد الحرب خارج وداخل مجلس العموم البريطاني، انطلاقا من ارث تاريخي لحزب العمال، رأى ان حكومة الحزب وزعيمها توني بلير يهدده، فوقف مقاوما كل المزاعم التي سيقت لتبرير الحرب، واربك دعاة الحرب وعرقل سعيهم وبعد انتهاء الحرب جاءت لحظة العقاب، عقاب الناطق بالحق، وتصويره على انه مجرد مرتزق مأجور حصل على اموال من صدام حسين رئيس العراق المخلوع، وبهذا تغتال مواقف النائب المخضرم وتذبح شخصيته معنويا. وزيادة وامعانا في المكارثية، روجت وثائق لم يثبت حتى الساعة صحتها بأن غالاوي طلب اموالا من صدام. ولكن من تابع حملة مناهضة الحرب يثق بأن النائب العمالي بريء، وليس من هؤلاء الذين تقاضوا «بونات» نفط مقابل الدعاية، وهم فئة رديئة افسدت العمل العام، فعندما كان غالاوي مشاركا في مظاهرة مصرية شهيرة بشارع جامعة الدول العربية، خطب في الحشود مؤكدا على ضرورة الفصل بين الدفاع عن قضية الشعب العراقي من جهة والنظام العراقي من جهة ثانية، لان الخلط يفسد مبدئية قضية التضامن مع العراق كشعب. على ان حملة المكارثية لم تنطلق في سماء لندن وواشنطن وحدها، بل كان لها توابع في السماء العربية عندما تعرض الدبلوماسي العربي والعروبي المشرف لأمته عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية لحملة مهووسة عندما اتهمه البعض بأنه «مرتزق» و «صدامي الهوى» رغم ان موسى سعى لتخطي حواجز النظام الاقليمي العربي وتجاوز سقفه، لعلاج حالة الترهل، وشلل الاطراف التي اقعدت الجامعة كمؤسسة عن الحركة النشطة، ووقف على اسوارها لصد محاولات اسرائيلية لهدمها لاقامة منظمة شرق اوسطية بديلة، صهيونية التوجه اميركية الهوى .. ولا عزاء للمغفلين.