الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 كان أول من وطئت قدماه ارض العراق من قادة المعارضة في الخارج. جاءت به طائرة عسكرية اميركية حطت في مدينة الناصرية فور سقوط بغداد. وتزامن وصوله مع وصول مجموعة من 700 مسلح يطلق عليهم «أحرار العراق».. وهم ثلة جرى تدريبهم على ايدي مدربين اميركيين وبتمويل من الخزانة الاميركية في معسكر في ضواحي بودابست عاصمة المجر استأجرته وزارة الدفاع الاميركية. ومنذ وصوله وحتى اليوم ظل، وهو في حراسة مسلحي «أحرار العراق» وقد انتقل الى بغداد يبشر ببقاء الادارة الاحتلالية الاميركية في العراق لمدى سنتين على اقل تقدير. مع ذلك فإن احمد الجلبي لا يفتأ يذكر كل من يستمع اليه انه لا علاقة له على الاطلاق بأميركا والاميركيين.. ويذكرهم ايضا بأنه لا يطمح الى اي منصب في حكم العراق آنيا أو مستقبلاً! ولكن الجلبي يستخف بذكاء السامعين داخل العراق أو خارجه، فالكل بات يعلم الآن ان الجلبي هو «كرازاي» العراق.. أو الشخصية التي تراهن عليها الادارة الاميركية ليكون واجهة محلية «وطنية» لسلطة احتلالية اميركية. وسيناريو افغانستان ليس ببعيد عن الاذهان، غير ان الحالة العراقية تختلف عن الحالة الافغانية. الحرب الاميركية على افغانستان لم تكن اميركية مئة في المئة، كانت في الحقيقة مهمة ذات قسمين: الاميركيون يتولون دور القصف الجوي على الاهداف الاستراتيجية لنظام طالبان وقوات «القاعدة»، بينما يتولى «التحالف الشمالي» امر المعارك البرية، وكان التحالف الشمالي يتكون من مجموعات قتالية ذات خبرة تمثل المجموعات العرقية الافغانية المعادية تقليدياً لقومية «البشتون» التي ينتمي اليها قادة طالبان. المعارضة الافغانية كان لها اذن حضور فاعل ومؤثر في الحرب.. مما لا ينطبق على المعارضة العراقية. فقد اضطر مخططو الحرب الاميركية على العراق الى الاعتماد على قوة قتالية اميركية «ومعها قوة بريطانية» لتخوض المعارك على الارض بالنظر الى ان فصائل المعارضة العراقية ـ على عكس المعارضة الافغانية ـ ليس لها ميليشيات مقاتلة. واذا ترجمنا هذه الحقيقة الى اللغة السياسية فإننا نتوصل الى الاستخلاص الآتي: ان كرازاي الافغاني يرتكز في سلطته الى قاعدة قوية تتمثل في القوة السياسية والعرقية والعسكرية لتحالف المعارضة بينما لن يكون لكرازاي العراق المرتقب قاعدة يعتمد عليها سوى قوات الاحتلال الاميركي. وهذا بالضبط هو ما تعكسه الاجندة الاميركية لحكم العراق.وفقا لهذه الاجندة فإن الحكم في العراق الواقع تحت الاحتلال الاجنبي لمدى غير محدود سوف يكون فترة «انتقالية» من مرحلتين متعاقبتين. المرحلة الاولى لحكم العراق سوف تكون اميركية صرفة وعلنية. المرحلة الثانية سوف تكون ايضا سلطة اميركية لكنها مستترة. خلال المرحلة الاولى يتولى السلطة الجنرال المتقاعد جاي غارنر يساعده على المستوى المركزي نائب حاكم بريطاني، وعلى المستوى الجهوي ثلاثة اميركيين يكون كل منهم والياً على اساس تقسيم البلاد الى ثلاث ولايات «شمال وجنوب ووسط» وسيكون نائب الحاكم مسئولاً ايضا عن الشئون الدولية ـ اي وزير الخارجية. في المرحلة الثانية سوف تكون السلطة عراقية ـ ظاهرياً، بينما سوف يشكل مجلس وزراء من شخصيات عراقية بالكامل، بما في ذلك رئيس الوزراء، فإن كل وزير سيكون له «مستشار» اميركي! هذه ستكون مرحلة «كرازاي العراق» احمد الجلبي الذي الآن يملأ الدنيا ضجيجاً بأنه بريء من اي علاقة بالمخطط الاميركي. وفيما عدا ان الجلبي ليس له ولن يكون له اي قاعدة شعبية على غرار القاعدة «المستعارة» التي يرتكز عليها حامد كرازاي في كابول، فإن السلطة «العراقية» الانتقالية لن تختلف جوهرياً عن نظيرتها الافغانية: سلطة صورية من عناصر عميلة تؤمر فتفعل من اجل تنفيذ اجندة اميركية موضوعة سلفاً تتلخص في الآتي: ـ خصخصة صناعة النفط الوطنية العراقية لبيع الامتيازات النفطية الى شركات النفط الاميركية. ـ الغاء سيطرة الدولة على الاقتصاد الوطني عن طريق خصخصة القطاع العام للتحول الى اقتصاد السوق حتى تنتقل كل القطاعات الانتاجية والخدمية الى رأس المال الاميركي الخاص. ـ تحويل العراق الى بؤرة استخباراتية وعسكرية لتهديد دول اخرى، خاصة سوريا وايران، وابتزازها سياسياً. ـ الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات العراقية معها. من اجل هذه الاجندة جيء بأحمد الجلبي على متن طائرة عسكرية اميركية.