الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 تُدرس نظرية التطور البيولوجي بشكل مستمر ومكثف في محاضرات العلوم البيولوجية. ومع أن هذا الموضوع معقد ومتداخل إلا أن فحواه هو تكيف الكائن من الناحية الحيوية والسلوكية مع البيئة التي يعيش فيها. ويحدث ذلك من خلال تغيرات في التركيب الجيني للكائن بحيث تصبح عوامله الحيوية والسلوكية منسجمة مع البيئة، مما يجعله يتكاثر ويحافظ على سلالته. وقد يتعرض الكائن خلال هذه العمليات التي تستغرق زمناً طويلاً إلى مفاجآت كبرى منها الهلاك أو الانقراض. ولا يختلف التطور السياسي كثيراً عن التطور البيولوجي من حيث تعقيده وتداخل قضايا متعددة ببعضها البعض، ولكن على النقيض يطرح الكثير من المحللين السياسيين مفهوم التطور السياسي الإقليمي أو الدولي على نحو مبسط في شكل فعل آني لتحقيق هدف أو حدث ما ومن ثم يتعرض هذا الفعل إلى رد فعل ونتيجة. وبالرغم من كون هذا الأسلوب بسيطا وساذجا إلا أنه النمط الشائع بين المحللينن السياسيين وخصوصا الشرق أوسطيين منهم، وقد يرجع ذلك إلى الثقافة التي ينشأ فيها المحلل. وتكون الضحية لمثل هذه التحليلات هو الرأي العام (المستقبل) والذي يدفع الثمن ببناء وهدم قرارات سياسية واقتصادية. وكما هو الحال بالنسبة للتطور البيولوجي فإن الأحداث التاريخية تدل على أن الاهداف السياسية غالباً ما تتكون من مسارات سياسية عدة معقدة ومتداخلة هدفها التكيف مع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، علما بأن الأحداث اليومية قد لا تكون ذات دلالة مباشرة للمستجدات الراهنة وبالتالي يجب أن لا يتم التعامل معها بشكل جزئي وتلقائي، وإنما هي في معظم الأحيان نتاج تطور سياسي متعدد المسارات. منعطف جديد وتوضح أحداث 11 سبتمبر ما يقصده الكاتب بـ «التطور السياسي» بصورة جلية. وتدل تحليلات هذا الحدث على أن 11 سبتمبر غَيَر وسرع المسار السياسي عند المنعطف الذي كان نهاية طريق لسياسات تبلورت وتطورت منذ حوالي قرن، وما حدث مباشرة قبل 11 سبتمبر هو أسلوب جديد للتعامل مع المعطيات السياسية، هذا الأسلوب هو أسلوب يتعامل مع الحدث بصورة مباشرة وأقوى وبدون مقدمات. ومن تداعيات هذه الأحداث تلك المبادرة إلى شن الحرب على ما يسمى بالإرهاب، ومن خلال شاشات التلفزة بدت أميركا وكأنها تتكون من عدة حكومات في حكومة، وبرزت هذه الظاهرة في تصريحات وخطب المسؤولين الأميركيين، فتارة كان يدلي رئيس الولايات المتحدة بتصريحات تمس عقيدة مليار ونصف مليار مسلم عندما يشبه حملته بالحملة الصليبية ليأتي بعده مسئول آخر وبصوت متردد يصحح ما قاله رئيسه. وكثرت مثل هذه التصريحات ووصلت إلى تضارب استراتيجيات داخل المؤسسات الاميركية. وتبلورت القضية (التي كانت توصف بتخبط سياسي) بصورة منتظمة من اميركا الى أفغانستان ثم العراق. أحداث 11 سبتمبر أدت إلى اختصار الطريق لتحقيق أهداف كانت مرجوة منذ زمن، ولذلك لم تتأخر الولايات المتحدة في شن الحرب على ما تسميه الإرهاب، بيد أن حل جزء كبير من مشكلة الإرهاب على أميركا هو دراسة السبب الذي جعل هؤلاء الأشخاص يذهبون الى هذا البعد لتفجير مبنيين مكتظين بالمدنيين الابرياء، ولكن يبدو ان الارهاب واسلحة الدمار الشامل ليست القصة بأكملها وليست هي الدافع الرئيسي وراء هذه الحرب. الارهاب والعراق هما أعراض لقضايا سياسية مختلفة تخص الولايات المتحدة والدول الاوروبية متمثلة في القضايا الجغرافية والمؤسسية والاقتصادية ومنها ايضاً قضايا «شوفينية» شخصية تخص إظهار العضلات. ومن أهم القضايا السياسية سقوط المنظومة الشيوعية التي تركت فراغاً يجب ملؤه من قبل الولايات المتحدة واوروبا. ومن الجانب الآخر هناك القضايا المؤسسية مثل الناتو الذي يسعى الى تثبيت وجوده بعد الانهيار السوفييتي الذي بني الناتو أصلاً للتصدي له. ومن أعراض القضايا المؤسسية الاخرى الانقسام الاميركي ـ الاوروبي والاوروبي ـ الاوروبي على القضية العراقية ودور الاتحاد الاوروبي في القضية نفسها ناهيك عن دور الامم المتحدة. اضف الى ذلك القضية الجغرافية التي تخص مصالح اميركا واوروبا في الشرق الاوسط خاصة وآسيا عامة. وقد تكون اعادة رسم الجغرافيا السياسية لقارة آسيا مهمة بالنسبة للولايات المتحدة حيث التوزيع والتخطيط البريطاني السابق اصبح رتيباً بالنسبة للولايات المتحدة ولم يعد يخدم مصالحها على الوجه الاكمل. أما من الناحية الاقتصادية فتسعى الولايات المتحدة الى عولمة العالم وبيع ثقافتها له، وقد نجحت في ذلك إلى حد ما. هذا التطور السياسي الذي كان يهدف إلى انسجامه في بيئة جديدة بدأت ملامحها تتبلور وقد يكون على وشك رسم المستقبل السياسي والاقتصادي للعالم بصورة واضحة بعد ان كانت تبدو عشوائية ومتداخلة قبل اكثر من سنتين. ولكن يبقى السؤال الاهم هو هل ستنجح سياسة الدول الغربية في رسم السياسة للحقبة القادمة؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد بالدرجة الاولى والاخيرة على الرأي العام في الدول التي ستخضع لهذه السياسات، وتعتمد أيضا على ثقة هذه المجتمعات وتجربتها السابقة مع الدول الغربية. أما الآن فيبقى الحديث على الساحة العربية لفوهات المدافع والنهب والسلب والترقب والتحليل. برمجة الإنسان لكن كيف تلتقي محاضرات في العلوم البيولوجية والعلوم السياسية؟ وللجواب على هذا السؤال يجب أن لا ننسى ان المستقبل للطبخة السياسية هو الشعب أي الانسان. والانسان كالكائنات الاخرى هو تحصيل وانتاج بربمجته الوراثية (الجينوم) التي ترسم له الوظائف الحيوية والسلوكية لجعله متكيفاً في بيئته وذلك للحفاظ على نسله واستمراريته. ويعتمد هذان الهدفان بشكل كبير على الحالة الحيوية والنفسية والاجتماعية للانسان. ولا شك ان التركيبة الوراثية تعلو ولا يعلى عليها، ومن المسلمات العلمية الآن ان الجينات تتحكم في الانسان وتلعب دوراً اساسياً في فرض المرض أو الصحة وتكفل للانسان الارادة والاختيار الحر، ليس من اجل الفوضى ولكن لتجعله يختار البيئة الملائمة التي تكفل له الاستمرارية، وهذا يعني أن الارادة الحرة فطرية وليست مكتسبة، ونزع الارادة الحرة من الانسان قد يؤدي إلى نتائج تشبه تلك التي تحدث مع بعض الامراض التي تجعل الانسان الذي كان حراً يخضع الى ممارسة إجبارية متكررة لسلوك ما (كغسل اليد المستمر أو الانشغال الفكري في أشياء معينة) والتي قد ينتج عنها سلوكيات مرضية وصعوبة في التكييف مع المجتمع وقد تؤدي في بعض الاحوال إلى الانتحار. هذه السلوكيات الناتجة عن الامراض لا تختلف كثيرا عن الحالات التي تُسلب فيها الارادة الحرة من قبل الانظمة السياسية، وقد تساير تلك الشعوب الكبت لأن ذلك هو المتاح وقد تتكيف مع البيئة المتاحة، ولكن من خلال ممارسة الفساد والنفاق وغيره من السلوكيات غير المرغوبة، ولكن الشعوب دائما تستغل اي فجوة لتطلب الافضل من الحرية وربما يؤدي ذلك لتمرد ما، هذا ما أكده التاريخ مراراً وتكراراً مع الأنظمة القمعية الفردية التي تغيب فيها المؤسسية. ولذلك لا يجب ان نستغرب فشل الأنظمة الفردية من جهة ونجاح دول المؤسسات من جهة أخرى. والجينات تستبد ولا تُستبد. ـ أكاديمي وباحث في علم الجينات ـ جامعة الإمارات