الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 شاهد العالم على مدى الايام الماضية كيف نهبت المؤسسات في العراق، فلم يترك الرعاع وزارة او مستشفى او ناديا او متحفا، كل شيء مستباح، السرقة من اجل السرقة، فعندما يتم توقيف احدهم ويسأل عن دوافعه للسرقة يرد قائلا: يا أخي كل العالم تسرق ليش مو انا؟ في الجانب الاخر كان هناك من يبكي بكاء مرا على ما آلت اليه الحال في بغداد، وكان يتساءل امام عدسات التلفاز: لم يفعل الناس هذا؟ وهل وصلت بنا الحال نحن العراقيون لهذا المستوى؟ لنسأل انفسنا كيف يصنع الولاء؟ وما هي الوسائل الواجب اتخاذها لجعل الناس يشعرون ان الدولة ملك لهم لا شيء فيها مستباح ؟ بعد الغزو العراقي لدولة الكويت حاول حزب البعث ايجاد شخصية معتبرة لتشكل حكومة دمية تسحب البساط من الحكومة الشرعية التي خرجت ونظمت نفسها في السعودية ، فلم تجد حكومة بغداد اي مرشح لمنصب رئيس حكومة عميلة، فقد التف الناس حول قيادتهم مما فاقم من سوء الموقف العراقي الى ان اضطرت المخابرات العراقية لترشيح شخصية نكرة نبذها الشعب الكويتي ولم تجد قبولا، فانهارت الخطة التي وضعها مخططو الحرب في بغداد ولم تكن لهم خطط بديلة فبدأت الامور تسير في غير الاتجاه الذي كانوا يرغبون به . ان ولاء الشعب الكويتي لقيادته هو الذي افسد كل شيء، فقد كان هذا الشعب يفضل الموت والتشرد على العيش تحت حكم دكتاتوري قاس، فقارن بين نظام حكمه الديمقراطي الابوي ونظام حكم بعثي فاشي وفضل الاولى بطبيعة الحال على الثانية. خلال العقد الماضي برزت بوضوح ظاهرة المطالبة بالاستقلال من قبل الاقليات المختلفة على امتداد المعمورة، وكانت غالبية الاقليات تطالب بدور لها في ادارة الدول التي هم تحت سلطانها، حتى اذا وصل الامر الى مرحلة اليأس جاء دور السلاح وذاب الولاء للدولة الام في خضم صرخات الحرب وطلقات الرصاص. ان الولاء يصنع صناعة ويغرس غرسا عندما تكون هناك ديمقراطية حقه، وعندما يشعر المواطن ان صوته مسموع يستطيع ايصاله لمن يتمتعون بسلطة اتخاذ القرار، وان له دوراً في اختيارهم ومحاسبتهم ومساءلتهم . لنأخذ النموذج الغربي في الحكم، فولاء الشعوب الغربية مطلق لدولهم وحكوماتهم مع انهم يدفعون من الضرائب ما يشيب له رأس المواطن العربي، فهناك شفافية في الاداء الحكومي، و يحدد المواطن نفسه كيفية الاستفادة من الضرائب، والحكومة برمتها تعمل ارضاء لدافعيها كما يطلق على المواطنين عادة، وهناك حرية في النقد والمساءلة، وسوء اداء الحكومات يؤدي الى سقوطها، واليد العليا في الدولة لمن يملك الصوت وينتخب . الكثير من الحكومات غير الديمقراطية بمختلف تشكيلاتها تحيط نفسها بعصبيات تغدق عليها الكثير من الاموال والتسهيلات والصلاحيات وتعزلها عن جمهور الناس، وتظن الحكومات انها بذلك حمت نفسها من تقلبات الزمن و ملكت زمام الامور وسيطرت على الوضع، ولكن الامور لا تسير على الدوام كما يشاء البعض، فمن كان يظن ان الدبابات الاميركية ستسير في شارع ابو نواس او ستغلق ميدان الفردوس؟ ومن كان يعتقد ان قصور صدام ستصبح مشاعا لرعاع مدينة الثورة ومشردي النواحي والخارجين من السجون ؟ وقع في يدي مقال قرأته في احد المواقع الاجنبية المعتبرة، والمقال عبارة عن نص المخطط الذي استخدم لاسقاط بغداد، وكيف تم التعامل مع قيادات الحرس الجمهوري وفدائيي صدام، ولكني ترددت في نشره والتعليق عليه لاني اشك بما جاء فيه من ناحية ولاني بحاجة الى المزيد من المعلومات لاكمال الصورة النهائية، ولكن باختصار فان اتصالا تم بين كبار الضباط العراقيين وجهاز المخابرات الاميركي عن طريق طرف ثالث، وتم شراء الضباط ومنحهم بعض الامتيازات نظير المشاركة في مؤامرة اقرب ماتكون الى انقلاب عسكري منه الى عملية عسكرية . إن ما اريد الوصول اليه هو انه مهما اغدق النظام على بعض الناس ليشكل منهم عصبة سيأتي وقت يجد فيه هؤلاء من يدفع لهم اكثر، حينئذ ستنقلب الولاءات ويتغير اتجاه السلاح . لنسأل انفسنا سؤالا تصوريا : ماذا لو كانت العراق دولة ديمقراطية، حكومتها منتخبة مباشرة من قبل الجمهور، فهل كانت الخيانات ستطل برأسها في الازمات ؟ إن الخيانات وتغير الولاءات والكذب والنفاق والسجون والتعذيب والتنكيل صفات لصيقة بكل سلطة مطلقة لا سلطان للشعب عليها. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»