الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 لا يبدو ان الخلافات التي برزت اخيراً بين الدول الاوروبية حول موضوع التحالف مع الولايات المتحدة في الحرب التي شنتها على العراق قد قللت من اهمية الحدث الذي احتفل به الاتحاد الاوروبي قبل ايام قليلة في العاصمة اليونانية آثينا بانضمام عشر دول جديدة اليه، ليرتفع بذلك عدد اعضائه من 15 الى 25 عضواً. اذ على الرغم من ان هذه الخطوة كانت مقررة في اطار برنامج توسيع الاتحاد بعد ان استعرضت الدول العشر الجديدة «بولندا، هنغاريا، سلوفينيا، سلوفاكيا، تشيكيا، ليتوانيا، استونيا، لاتفيا، مالطا، وقبرص/الشطر اليوناني» معايير الانضمام الى الاتحاد، إلا انها اثبتت ان مسيرة الوحدة الاوروبية تتواصل بقوة وفقاً للمخطط المرسوم لها، وان تطور المصالح الاقتصادية بين اعضائها كفيل، مع مرور الوقت، باسقاط الكثير من التناقضات الراهنة، والناشئة اساساً عن الرغبة في المحافظة على ما يمكن وصفه ب«الخصوصية القومية» ومن المقرر ان يصبح انضمام الدول العشر الى الاتحاد عملياً ورسمياً في مايو من العام المقبل. وقد سبق للرئيس الفرنسي جاك شيراك، وهو من اشد المتحمسين لتطوير الاتحاد الاوروبي وتوسيعه وزيادة فعاليته، ان اعلن امام البرلمان الالماني في يونيو عام 2000 رفضه فكرة اقامة «دولة اوروبية عظمى» تحل محل الدول القومية، لكنه شدد في المقابل على «تعزيز الشعور بالهوية والانتماء الاوروبيين بين شعوبنا، ورغبتها في العيش معاً ضمن مجموعة متماسكة». والى ذلك، فإن دستور الاتحاد الاوروبي الذي يعكف 150 خبيراً على اعداده حالياً في اطار ما سمي «مؤتمر مستقبل اوروبا» برئاسة الرئيس الفرنسي الاسبق فاليري جيسكار ديستان، بحيث يكون حاضراً في يونيو المقبل، يأخذ هذا التوجه بعين الاعتبار. ففرنسا والمانيا، وهما الدولتان الاقوى تأثيراً داخل الاتحاد، كانتا اتفقتا في وقت سابق على اجراءات لتدعيم استقلالية المفوضية والمجلس الاعلى الاوروبيين، وفي حين تشدد المانيا على جعل اوروبا اكثر اندماجاً من خلال تقوية المفوضية الاوروبية، تدعو فرنسا الى تعزيز سلطات المجلس الاوروبي، بما يؤدي عملياً الى الاحتفاظ بمزيد من السيطرة للحكومات الوطنية، ويركز الخبراء حالياً على ايجاد الصيغ المناسبة التي تجمع بين مميزات كل من التوجهين. ويقدر الاتحاد الاوروبي ان اقتصاده القوي سيصبح في عام 2010، على ابعد تقدير، الاكثر قدرة على المنافسة في العالم، مستنداً الى حركة تبادلية نشطة وكثيفة قوامها 450 مليون نسمة، بالاضافة الى الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية، والى انفتاح على مختلف انحاء العالم، وفوق ذلك فإن اليورو «العملة الاوروبية الموحدة» استطاع التقدم على الدولار في سوق المنافسة، مستفيداً من ثبات نمو الاقتصادات الاوروبية الرئيسية من جهة، والمصاعب التي يواجهها الاقتصاد الاميركي من جهة اخرى. ويرى العديد من المحللين ان الفوائد الاقتصادية التي تحققها الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي ستشجع على تقليص التناقضات السياسية من خلال ايلاء الجوانب الاقتصادية اهتماماً كبيراً، يضاف الى ذلك ان الدعم المادي الذي تتلقاه الدول المنضمة حديثاً الى الاتحاد الاوروبي، وفقا للاتفاقات الموقعة ولشروط الانضمام الاساسية، سيضعف من ارتباطاتها الخارجية الاخرى، على الرغم من ان عدداً منها وقف الى جانب الولايات المتحدة في الازمة الاوروبية ـ الاميركية الاخيرة. وربما يكون ذلك قد حدث تحت تأثير اغراءات معينة. مزيد من الانفتاح وثمة سبب آخر يدفع الى الاعتقاد بصواب هذه التوقعات ذلك ان الاتحاد الاوروبي يعد نفسه لقبول انضمام مزيد من الاعضاء اليه، فهناك ثلاث دول اخرى مازالت على لائحة الانتظار: الاولى تركيا، التي تأمل ان يعلن الاتحاد الاوروبي قبول تشريحها في نهاية العام الجاري، على ان تبدأ مفاوضات انضمامها في عام 2005. كذلك فإن بلغاريا ورومانيا تأملان ان يتم انضمامها الى الاتحاد الاوروبي في عام 2007 اذا ما تأكد استيفاؤهما الشروط المطلوبة «وفقاً لمعايير الانضمام التي وضعها الاتحاد وهي في معظمها معايير اقتصادية، فضلاً عن التقيد بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان» وقد شارك ممثلون عن الدول الثلاث في قمة اثينا ولكن بصفة مراقبين. وتبقى على لائحة الانتظار «الابعد» دول اخرى مثل اوكرانيا ومولدوفا وروسيا البيضاء «وربما البانيا في وقت ما» بيد ان خطة الاتحاد الاوروبي تقضي بابقاء هذه الدول، خلال فترة التأهيل الطويلة، قريبة منه ومرتبطة بمصالحه الاقتصادية ومناخاته السياسية عبر تقديم بعض المساعدات لها واشراكها في المناسبات الاحتفالية الاوروبية. اما روسيا فسيجري التعامل معها دائماً باعتبارها الحليفة المفضلة، وذلك باقامة اوسع العلاقات الاقتصادية والسياسية والادارية والامنية معها ومحاولة التنسيق معها في مختلف الشئون الاوروبية والدولية، والى ان تتم اقامة ارتباط قانوني ـ من نوع ما ـ بين الطرفين، ربما يجري التعامل مع روسيا بصفتها «عضو شرف» في الاتحاد، فتحضر اجتماعاته وتتابع عن كثب تطوراته الداخلية ومناقشاته، ولكن من دون ان يكون لها حق التصويت. ولا يخفى ان الاتحاد الاوروبي يطمح الى ان يصبح ممثلاً للقارة الاوروبية كلها ومجسداً لمصالحها الاقتصادية، وفي خطوة ذات مغزى استشرافي تصب في هذا الاتجاه، اعقب قمة اثينا مؤتمر اوروبي موسع ضم 40 دولة اوروبية، بما فيه الدول المرشحة للانضمام الى الاتحاد في المستقبل.. ونوقشت في هذا المؤتمر، الذي شارك فيه ايضا امين عام الامم المتحدة كوفي عنان، العلاقات الاوروبية ـ الاوروبية، ومختلف المشاكل العالمية الراهنة، لاسيما مشكلة العراق. وقد جرى التأكيد في هذا المؤتمر على الدور الحيوي للامم المتحدة في معالجة المشكلات العالمية والحفاظ على الامن والاستقرار في العالم. ومن انه لم يصدر عن هذا المؤتمر ما يشير الى استهدافه الولايات المتحدة ودورها المهيمن عالمياً، إلا ان محللين قرأوا بين سطوره ما يؤكد هذا الاستنتاج. فالاتحاد الاوروبي استغل هذا الاحتفال المتميز بموضوعه ومستوى حضوره ليوجه رسالة الى الولايات المتحدة مفادها ان القارة الاوروبية كلها «مع استثناءات قليلة» تتحرك ضمن اطار مشترك، وان الساحة الاوروبية تزداد اتساعاً وان المصالح الاقتصادية يمكن ان تصبح بديلاً من الارتباطات السياسية، وبالتالي فإن عالماً جديداً يتشكل الآن: قوامه تعدد الاقطاب، بدلاً من عالم القطب الواحد، وطريقه السلام الاوروبي لا الحروب الاميركية. امران مقلقان على ان هؤلاء المحللين توقفوا عند امرين مهمين يتصلان بهذا التحرك الاوروبي النشط: الامر الاول يتعلق بالموقف البريطاني الذي يؤخذ عليه انه يحاول المزاوجة بين التزامات بريطانيا الاوروبية من جهة، وارتباطها بالولايات المتحدة من جهة اخرى لكن هذه «المزاوجة» لم يحالفها التوفيق، اذا اصبح الموقف الرسمي البريطاني جزءاً من السياسات الاميركية العالمية، بما فيها تلك المناوئة للاتحاد الاوروبي، والامر الثاني يتعلق بكيفية تغلب الاتحاد الاوروبي على مشكلة افتقاره الى دفاع ذاتي موحد يتيح له اتباع سياسة خارجية مستقلة والمحافظة على مصالحه الحيوية في مناطق عديدة من العالم. في المسألة الاولى، تدرك الحكومة البريطانية جيداً ان غزو العراق هو مشروع اميركي بالكامل، وقد جرى التخطيط له منذ وقت طويل، وان اهدافه تنحصر في تحقيق المصالح الاميركية سواء كانت هذه المصالح اقتصادية «خصوصاً وضع اليد على البترول العراقي»، او ذات منطلقات سياسية تقوم على قاعدة الهيمنة والتوسع الاستعماريين وفي مختلف الاحوال فإنه ليس لبريطانيا مصلحة فعلية مباشرة في كل هذا، ولذا فهي تقوم بدور تنفيذي ثانوي يتصف بالتبعية المطلقة، وبالتالي فإن واشنطن لن تعترف بها شريكاً كاملاً، لان المشروع الذي خططت له مجموعة الصقور اليمينيين في البيت الابيض لا يتسع لأحد آخر.. سوى الولايات المتحدة. وفي هذا السياق يتساءل الوزير المستقبل من الحكومة البريطانية روبن كوك: اين يتوجب علينا ان ننظر الى مستقبل العلاقات الاستراتيجية الدولية لبريطانيا؟». ويجيب قائلاً: «هو في اوروبا.. كي نتأكد اننا نلعب فيها دوراً رئيسياً وان اوروبا تتكلم بصوت قوي، اي بصوت واحد». ومع ان روبن كوك يرفض فكرة المواجهة مع الولايات المتحدة، لكنه يشدد على الحاجة الى وجود قطب آخر «ليس قطباً خصماً ولكن قطباً آخر، بحيث نحافظ على مسافة كافية منها». وفي الواقع فإن الاتصالات البريطانية ـ الفرنسية الاخيرة اظهرت رغبة توني بلير في العودة الى الاطار الاوروبي، والاقتراب اكثر من الموقف الاوروبي الداعي الى افساح دور رئيسي للامم المتحدة في ادارة العراق، وترتيب اوضاعه الادارية والامنية والانسانية، الى ان يتم تشكيل حكومة عراقية وطنية وقد اعادت الحكومة البريطانية التأكيد على هذا الموقف بوضوح خلال قمة اثينا، وان كان هذا الموقف «المتأخر» لم يترك اثره الايجابي المطلوب على الادارة الاميركية. العقبة البريطانية اما في المسألة الثانية، فإن المحللين يتوقعون الاسراع بتنفيذ بعض الخطوات المتعلقة بانشاء دفاع اوروبي موحد انطلاقاً من حقيقة ان اعتماد سياسات خارجية مستقلة لا يتحقق إلا عبر امتلاك قوة ذاتية فعالة. ولقد بدا واضحا من التجربة العراقية الاخيرة ومن تجارب عديدة سابقة، لاسيما تجربة حروب البلقان، ان نقطة الضعف الرئيسية في الموقف الاوروبي تتمثل في عجز الاتحاد الاوروبي عن التدخل بقوة خصوصاً في البلقان، وذلك لمنع تدهور الاوضاع هناك والحيلولة دون ارتكاب ابشع المجازر ضد المدنيين المسلمين، وهو ما سمح للولايات المتحدة بفرض اقتراحاتها من اجل تسوية المشاكل بين الطرفين المتقاتلين في البوسنة ثم في كوسوفو. ومن المقرر ان يعقد اجتماع رباعي في بروكسل نهاية الشهر الجاري تحضره كل من المانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ، حيث يتم بحث الخطوات التنفيذية المتعلقة بانشاء قوة تدخل اوروبية قوامها 60 الف جندي ومع ان وزير الدفاع الالماني بيتر شتروك نفى التخطيط لاقامة «محور عسكري اوروبي» إلا انه دعا الى ارساء سياسة امنية اوروبية مشتركة. وكان وزير الخارجية البلجيكي لوي ميشيل اعلن ان «اندماجاً دفاعياً اوروبياً هو السبيل الوحيد لان تأخذ الولايات المتحدة اوروبا على محمل الجد». وفي هذا الموضوع ايضا يبرز دور بريطانيا، الحيوي والمثير للجدل في آن. فهل توافق الحكومة البريطانية على انشاء دفاع اوروبي مستقل قد يؤدي الى الاستغناء عن خدمات حلف شمال الاطلسي، في الوقت الذي تعارض واشنطن هذه الخطوة الاوروبية الاستراتيجية؟ واذا رفضت بريطانيا استكمال هذا المشروع الاوروبي ـ لاسبابها الاميركية المعروفة ـ كيف يكتب له النجاح، في الوقت الذي تعتبر المشاركة البريطانية اساسية بالنسبة لتحويل هذه الامنية الاوروبية الى حقيقة قائمة. بعد تفجر الخلاف الاميركي ـ الاوروبي حول موضوع العراق ودور الامم المتحدة في تحقيق السلم العالمي، لا يتوقع ان تنظر واشنطن بارتياح الى اي انجاز اوروبي من اي نوع كان. واذا كان الامر كذلك، فهل يستطيع الاتحاد الاوروبي تحدي ارادة صقور البيت الابيض ومتابعة نهج تحقيق التعددية القطبية مع كل ما يعنيه ذلك من تمرد على هيمنة واشنطن وتجاهل رغباتها؟! وفي هذه الحالة هل يظل الاتحاد الاوروبي قادراً على الاحتفاظ بتماسكه ووحدة كلمته مع هذا الحشد المتزايد من الاعضاء الجدد؟! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا