الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 اذا ما كتب الله للعراقيين ان يخرجوا اكثر اطمئنانا من ازمتهم الحالية، فان العراقيين قوم لا يشق لهم غبار في انتاج الحياة، وعقلهم الجدلي قادر على تدوير المخلفات النفسية للحروب التي مروا بها وسنوات الألم والرعب والاضطهاد الى منتجات حضارية مؤثرة في المحيط، فالعراقي مثقف يستند الى ارث كبير وعميق ضارب بجذوره في الارث التاريخي الانساني، والعراقي خلاق ومبدع وخيرات ترابه وكنوزه بامكانها ان تضع امامه كافة سبل حياة الرغد والازدهار بأنواعه واشكاله. ومع الامل الذي يرتقب ان تجني النفسية العراقية المعافاة سنابله بعد الولوج من عنق الزجاجة خارجا، فان المدن العراقية ستعود عواصم للعلم والفكر والادب وكل التجليات الابداعية التي نعرفها عنه. صحة النفس العراقية بدأت منذ لحظة سقوط تماثيل الخوف، وفتح بوابات السجون واستمرار النبش تحت الارض عن اولئك الذين ذهبوا وراء الشمس قمعا وقهرا، وبدأت من اليوم الذي فتح الصوت العراقي مداه ليصرخ بالـ «لا» الكبيرة، لتصبح المسافات والجهات كلها ملكه لا يحده امامها سوط جلاد. من هنا نتفاءل مع النفس العراقية في صباحاتها المقبلة، فهذه النفس غير قابلة للمحو ولا المسخ ولا الاستنساخ والذين يقلقون عليها اليوم من شرور الواقع الحالي وفراغاته ومن انفتاح نوافذ العراق وأبوابه على الرياح الغريبة والاجنبية ومن قابلية جسده على استقبال الامراض والاورام نتيجة خلل في المناعة واضطراب في الخلايا الحسية والعصبية، فان توجساتهم وقلقهم يزول بمعرفة جذر النفس العراقية والتماعات حساسيتها حينما تكون خارج السجن المظلم، وخارج العذاب والمرارة. شيء من التفاؤل الكبير يمكن تصديقه والايمان به من خلال نضارة الجباه ومن خلال الالتماعات التي يمكنك ان تشاهدها في عيون العراقيين اليوم. شيء ما في عيونهم هذه الايام مختلف كل الاختلاف، شيء صارم وحازم ومطلق يخترق ادخنة وابخرة وغبار اللحظات الراهنة المتوترة يحاول اجتيازها الى ذلك الفضاء المتسع للحرية والبدائل الكبيرة لانماط الارادة. هناك دعوات يتيمة اليوم، هي دعوات صحيحة وتصب في مصلحة تعافي النفس العراقية من عذابات انحباسها السابق، تطالب بالوقوف الى جانب العافية التي تبدو على الوجوه والاصوات لكنها دعوات قليلة وضائعة وسط العويل والصراخ البكائي على دم الجراح، لكن الجراح لن تندمل الا بنفس قادرة على استنشاق الامل والتفاؤل. كيف يمكننا مسح هذا الحزن المتراكم على جباه العراقيين وبين شقوق خدودهم؟ كيف يمكننا ان ننتزع بقايا الارتعاب والقلق من تلك العيون؟ العراقيون بحاجة لمساعدات انسانية لا تأتي عبر شاحنات الصليب الاحمر، بل عبر قلوبنا وعبر سحابات الفرح والتفاؤل. halyan@albayan.co.ae