الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 في مؤسساتنا التي تندرج تحت توصيف المؤسسات الخدمية، والتي تعنى بتقديم مختلف الخدمات للجمهور، وتلك التي ينتشر في ممراتها وفي مكاتبها عدد هائل من المواطنين الذين يأتي بعضهم للمرة المئة، ربما ليسأل عن معاملته دون أن يحصل على الجواب الشافي. في هذه المؤسسات ذهنيات مسيطرة يتوجب مساءلتها، ومساءلة الذين أعطوها صلاحيات التحكم في مصائر الناس حسب الأهواء والأمزجة! لديّ قناعة لكثرة ما رأيت وما سمعت من الناس، ومن داخل هذه المؤسسات ان علة ما تكمن في مكان ما في هذه المؤسسات، وان خلاص هذه المؤسسات ووصولها لحالة الشفافية الخالية من المحسوبيات والتجاوزات والفساد الاداري أحياناً لن يتم إلا بالخلاص من هذه الذهنيات المتسيدة في هذه المؤسسات لأسباب مختلفة. سأذكر هذه الحادثة التي تتشابه في أكثر من مكان: كنت ذات يوم عند أحد الموظفين ممن يمسكون بمقاليد وظيفة كبيرة في احدى المؤسسات الحكومية، وقد دخل عليه أحد المراجعين ليسأل عن معاملة، قال أثناء حديثه بأنه يراجع بخصوصها منذ أكثر من 4 سنوات، وتتعلق بموضوع السكن على ما أتذكر، فما كان من الموظف إلا أن قال له: اترك رقم هاتفك عند السكرتيرة وسنتصل بك! أرجوك أنا عندي ضيوف وليس لديّ وقت!! صفق الرجل كفاً بكف وخرج دون أن يترك عند السكرتيرة أي رقم!! لأنه بالتأكيد ترك كل أرقامه عند السكرتيرة عشرات المرات وأظنه ترك رقم سيارته، ورقم الشارع، ومقاس حذائه، وقياس ضغطه وفصيلة دمه.. وطبعاً دون نتيجة. ويبقى السؤال الوحيد هنا: لماذا يتصرف بعض الموظفين بهذا الشكل مع هؤلاء المراجعين؟ لماذا لا تنجز معاملات الناس بذهنية الأولوية والحق والاحتياج؟ لماذا يقفز موظف ما من فوق كرسيه عندما يرى مراجعاً من أصحاب (الوزن الثقيل) أو من صاحبات (الوقع العظيم) ملبياً لهما كافة الطلبات ومنهياً كل الاجراءات في غمضة عين ودون طلب أرقام أو عناوين وأحياناً أوراق ثبوتية، بينما تحال أوراق آخرين للأدراج وعهد السكرتارية (للتجاهل والإهمال بمعنى أصح)؟! لماذا لا تكون هناك أجهزة مراقبة ومساءلة قانونية يلجأ اليها هؤلاء المراجعون ممن تتأخر معاملاتهم أكثر من الحد المعقول مع استكمالها كافة الشروط المطلوبة؟ لماذا يمنح شخص ما كافة الصلاحيات ليتحكم في مصير الناس فيؤخر من يريد، ويعطل من يشاء، ويعطي لمن يهوى، ويمنح من يحب، ويقف تعظيم سلام لمن تعجبه ومن له معه مصلحة؟ لماذا؟! سؤال يسأل الجميع عن اجابته لأنه من الاسئلة التي لا تخلو منها المجالس والأحاديث في كل مكان ولأن الحكايات التي تنسج عن هذه المواقف وعن أمثال أولئك الموظفين كثيرة جداً، وحقيقية جداً! نعرف بأن ما نقوله ليس جديداً، وبأن الكل يعرف بوجود هؤلاء المحسوبين على وظائف الحكم، ونعلم بأنهم قلة، ولكن المشكلة ان هؤلاء القلة يمسكون بزمام مسئوليات كبيرة أحياناً، ويصدقون أنفسهم بأنهم يملكون المؤسسة بمن وما فيها، لأنهم يديرونها أحياناً، ولأن مواقعهم حساسة أحياناً أخرى، ولأنه لا يوجد من يحاسبهم أحياناً كثيرة.. والمثل يقول: (من أمن العقوبة أساء الأدب)! Aishasultan@hotmail.com