الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 أبو مازن يقدم قائمة بتشكيل وزاري جديد إلى عرفات، عرفات يعترض، تنشأ أزمة سياسية حادة، والسؤال هو: هل هذا خلاف حول المستقبل السياسي للشعب الفلسطيني؟ لنتأمل أولاً الحقائق الماثلة. التشكيلة الوزارية جاءت تلبية لمطلب أميركي اسرائيلي، ونقول انه «مطلب» ولا نقول انه ضغط لأن محمود عباس أبو مازن لا يحتاج حتى إلى اقناع فضلاً عن ضغط. فهو بالاشتراك مع شيمون بيريز مهندس اتفاق أوسلو في التسعينيات. الضغط وقع على عرفات ليقبل خلق منصب رئيس وزراء بصلاحيات حقيقية.. ثم ينزوي إلى خلفية مظلمة، وبعد ذلك يتولى أبو مازن رئيس الوزراء ادارة عملية الاخذ والرد مع ارييل شارون وادارة بوش للتوصل إلى تسوية سلمية نهائية للقضية الفلسطينية. لكن التسوية مرسومة اسرائيلياً وأميركياً على أساس سيناريو معد مسبقاً وفقاً للشروط الاسرائيلية لمستقبل علاقة اسرائيل مع الشعب الفلسطيني. ولأن ادارة بوش وارييل شارون يدركان سلفاً ان مثل هذه التسوية سوف تكون مرفوضة تلقائياً من فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية والشارع الفلسطيني بوجه عام، فإن المطلوب هو شخصية قيادية فلسطينية على مستوى السلطة العليا تتولى قمع فصائل المقاومة دون تردد أو هوادة. من هنا كانت المراهنة الاميركية الاسرائيلية على أبو مازن، ولا يعقل بالطبع ان بوش وشارون وقع اختيارهما على هذا الرجل تحديداً ـ من بين كل القيادات الفلسطينية ـ دون معرفة مسبقة بشخصيته وتوجهاته وأفكاره. وأبو مازن من ناحيته لم يترك زيادة لمستزيد، فهو لا يتحرج من ابلاغ الفلسطينيين والاسرائيليين والأميركيين والعالم بأنه ضد المقاومة الفلسطينية، ليس من منظور «تكتيكي» وقتي وإنما انطلاقًا من موقف مبدئي ثابت. هل يعني هذا ان ياسر عرفات على الطرف الآخر، منحاز بالكامل إلى فصائل المقاومة ونهج الكفاح المسلح والعمليات الاستشهادية؟ ليس بالضرورة. ان عرفات لا يعارض المقاومة المسلحة تماماً لكن ما يريده هو ان تكون قيادات المقاومة المسلحة تحت امرته ليتحكم في نشاطها، تتوقف حين يريد لها ان تتوقف.. وتنطلق في عملياتها حين يريد لها ذلك. نحن إذن ازاء صراع سلطوي بين عرفات وأبو مازن يستعين فيه الأول بقاعدة شعبية عريضة متنوعة بينما يعتمد الثاني على قوتين خارجيتين، اسرائيل والولايات المتحدة. ان الهدف الاستراتيجي الاكبر لاسرائيل والولايات المتحدة هو تصفية المقاومة الشعبية الفلسطينية بالكامل وإلى الأبد حتى تكون الساحة السياسية الفلسطينية مجهزة بقبول صيغة سلام مبنية على الشروط الاسرائيلية الثابتة التي تدعمها الولايات المتحدة.. وهي كيان فلسطيني على نصف مساحة الضفة الغربية تحت السيادة الاسرائيلية.. ولا بأس في ان يطلق عليه كلمة «دولة». هذه هي خلاصة مشروع «خريطة الطريق» .. أو قل الخلاصة التي سوف ينتهي إليها المشروع عملياً عند نهاية المطاف، إذا قدر للعملية التفاوضية ان تستأنف برئاسة أبو مازن على الجانب الفلسطيني. ورغم ان عرفات يقبل مبدأ المساومة وما يتطلب من تنازلات كبيرة، إلا انه لن يرتضي الانحدار إلى هذا المستوى مخاطراً برصيده التاريخي من ناحية وزعامته الحاضرة من ناحية أخرى.. مما لا ينطبق على حالة أبو مازن، فهو شخصية ليس لها أي سند شعبي بأي حد أدنى وليس لها تاريخ من مواقف وطنية نضالية. وقبل هذا كله وبعده فإن عرفات يدرك بالطبع مغزى اللعبة الاسرائيلية الأميركية من خلال «خريطة الطريق» فالهدف الفوري من المشروع هو اقصاء عرفات سياسياً أو تهميشه على أقل تقدير وإذا كان عرفات قد قبل المشروع من حيث المبدأ ومضى في مصانعة واشنطن وتل أبيب وتجاوب في خلق منصب رئيس وزراء بصلاحيات قوية وتعيين أبو مازن في هذا المنصب فإنه ليس على استعداد للمضي إلى آخر الشوط مع لعبة تستهدف اخراجه نهائياً من مجرى التاريخ الفلسطيني. وصفوة القول ان الصراع السلطوي الدائر قد ينتهي إلى انتصار عرفات. وهزيمة أبو مازن. لكن ذلك لن يكون نصراً أو هزيمة للشعب الفلسطيني.